قالت محكمة التمييز برئاسة المستشار صالح المريشد، في حكم قضائي بارز قررت فيه الرجوع عن حكم أصدرته قبل شهر من إصدار حكمها بسقوط طعن المتهم لإدراجه اسمه ضمن العفو الاميري، الا انها عادت ونظرت الطعن بعد تقدم وكيله بطلب رجوع للمحكمة، إن قانون الجمارك الخليجي لم يتطلب عند ضبط المتهمين بجريمة التهريب الجمركي، لم يتطلب توافر قيود القبض والتفتيش المنظمة بقانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية أو اشتراط توافر وجود المراد تفتيشه في احدى الحالات المبررة له، في نطاق الفهم القانوني للمبادئ المقررة، ويكفي أن تقوم لدى الموظف شبهة توافر التهريب الجمركي في الحدود المعرف بها في القانون.

وأضافت المحكمة أنه لا يشترط ان تقوم النيابة قبل تحريك الدعوى الجزائية لجريمة التهريب الجمركي بالحصول على طلب من الجمارك اولا، لأن في ذلك ضرراً على العدالة الجزائية.

Ad

أدلة قوية

ولفتت الى ان الاوراق في قدرها المتيقن قد حملت بذلك ادلة قوية على قيام جريمة جلب مؤثر عقلي الى الكويت بقصد الاتجار، وإذ كانت المادة 54 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية قد أجازت في فقرتها الاولى لرجال الشرطة حق القبض بدون أمر على من اتهم في جناية، وقامت على اتهامه أدلة قوية، وكان تقدير هذه الادلة ومبلغ قوتها وكفايتها إنما يكون بداءة لرجل الشرطة على أن يكون تقديره هذا خاضعا لرقابة محكمة الموضوع، وكان من المقرر أنه كلما كان القبض صحيحا كان التفتيش الذي يأتي تبعا له صحيحا، وكانت واقعة الدعوى على نحو ما حملته أوراقها واعتنقه الحكم المستأنف واطمأنت إليه هذه المحكمة إنما ترشح بدلالة يقينية إلى ان ما كشفت عنه تحريات ضابط الواقعة مؤيدة بالمعلومات التي وردت اليه من ادارة مكافحة المخدرات الدولية، ومؤيدة بما تم بمملكة البحرين من التثبت من أن الشحنة المرسلة الى الكويت تحوي مؤثرات عقلية، إنما يكفي لتوافر الادلة القوية التي يتحقق بها مراد المشرع في تخويل رجل الشرطة حق القبض بدون أمر.

وقالت المحكمة إن القبض على المتهم يكون قد وقع صحيحاً مستنداً إلى القانون، وأضحى من غير المتأتي قانونا من المتهم التحدي ببطلان القبض بدعوى وقوعه خارج الدائرة الجمركية أو لوقوعه في غير الأحوال المقررة قانونا وبدون إذن النيابة العامة، كما لا يجديه التحدي بأحكام القبض والتفتيش المبينة بقانون الجمارك الموحد، ما دام ثابتاً ان الضبط تم من قبل رجل الشرطة وخارج نطاق الدائرة الجمركية، واستنادا الى ادلة قوية اطمأنت اليها المحكمة وسوغت القبض على المتهم وتفتيشه، ومن ثم يكون كافة ما يثيره المتهم من منازعة في اجراءات القبض عليه وتفتيشه لا أساس له.

الضبط القضائي

وأوضحت أن البيّن من استقراء المواد 60، و116/أ و125 و126 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بإصدار قانون الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن الشارع منح موظفي ادارة الجمارك أثناء قيامهم بتأدية عملهم صفة الضبط القضائي، وذلك في حدود اختصاصهم وأن لهم في سبيل التحري عن التهريب ومكافحته ان يقوموا بالكشف عن البضائع وتفتيش الاشخاص وما يصطحبه المسافرون أن يعود اليهم داخل الدائرة الجمركية وغيرها من الاماكن الموضحة في هذا القانون، إذا قام لديهم اشتباه بأن الشخص ارتكب او حاول ارتكاب جريمة تهريب او نقل بضاعة مهربة او حيازتها، ولهم ان يستعينوا في ذلك بأية وسيلة تساعدهم في تأدية اعمالهم كالاجهزة الفنية او الحيوانات المدربة او غيرها.

الاستدلال

وأشارت المحكمة الى ان الشارع بالنظر إلى طبيعة التهريب الجمركي وصلته المباشرة بمصلحة الخزانة العامة ومواردها، ومدى الاحترام الواجب للقيود المنظمة للاستيراد والتصدير، لم يطلب بالنسبة للاشخاص توافر قيود القبض والتفتيش المنظمة بقانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية أو اشتراط توافر وجود المراد تفتيشه في احدى الحالات المبررة له في نطاق الفهم القانوني للمبادئ المقررة في القانون المذكور، بل انه يكفي ان تقوم لدى الموظف المنوط بالمراقبة والتفتيش في تلك المنطق حالة تنم عن شبهة توافر التهريب الجمركي في الحدود المعرف بها في القانون، حتى ثبتت له في حق الكشف عنها، فاذا عثر اثناء التفتيش الذي يجريه على دليل يكشف عن جريمة معاقب عليها في القانون العام فإنه يصح الاستدلال بهذا الدليل امام المحاكم في تلك الجريمة، لانه ظهر اثناء اجراء مشروع في ذاته ولم يرتكب في سبيل الحصول عليه اية مخالفة، وكان من المقرر ايضا طبقا للمادتين 43، 56 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية أن لرجال الشرطة حق القبض بدون أمر على المتهمين بارتكاب الجنح والجنايات المشهودة وتفتيشهم، وتعتبر الجريمة مشهودة إذا ارتكبت في حضور الشرطة او اذا حضر الى محل ارتكابها عقب ارتكابها ببرهة يسيرة، وكانت آثارها ونتائجها ما زالت قاطعة بقرب وقوعها.

مكافحة

وقالت المحكمة إن من المقرر ان القول بتوافر الجريمة المشهودة او عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها، ما دامت تقيمه على اسباب سائغة. وإذ كان الحكم المطعون فيه قد عرض لدفع الطاعن ببطلان القبض عليه وتفتيشه لحصولهما في غير حالات الجريمة المشهودة واطرحه مسوغاً هذه الإجراءات تأسيساً على انه إثر ورود معلومات مؤكدة للضابط بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوصول طرد قادم من دولة تركيا ترانزيت البحرين به مواد مؤثرة عقلياً قام بإخطار رجل الجمارك بهذه المعلومات، فقام بتسليمه لشركة الشن بناء على طلب الضابط والاتصال بالطاعن لتسلمه، وحين حضر ووقع على تسلمه للطرد تم القبض عليه، وهو ما تكون معه جريمة استيراد المؤثر العقلي وتهريبه الى داخل البلاد- على هذا النحو - جريمة مشهودة، مما يبيح لرجل الشرطة القبض على فاعلها وكل ما يساهم فيها، وفقاً للخطة المرسومة لارتكابها، فإن قيام ضابط الواقعة بالقبض على الطاعن فور حضوره لمكان الضبط لتسلم الطرد محل الجريمة، يكون إجراء صحيحاً، وكان هذا الذي أورده الحكم بما يتفق والواقع في الدعوى سائغاً وصحيحاً في القانون ويسوغ به الرد على دفع الطاعن ببطلان القبض والتفتيش، ومن ثم يضحي ما يثيره في هذا الخصوص بدوره غير سديد.

ولما كان ذلك، وكان الحكم قد خلص صائباً الى ان القبض على الطاعن وتفتيش الطرد كانا وليدي اجراء مشروع وصحيح في القانون فلا مغبة عليه ان هو عول في إدانته على اقوال الضابط ومفتش إدارة الجمارك وما ثبت من تقرير الأدلة الجنائية، ومن ثم فلا محل للنعي على الحكم في هذا الوجه.

التوسع في التفسير

وأوضحت المحكمة انه لما كان الأصل بمقتضى نص المادة 9 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية ان النيابة العامة تتولى سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في الجنايات وما تختص به من الجنح وفقاً لهذا النص، واختصاصها في تحريك الدعوى الجزائية- مطلقاً ولا يرد عليه قيد إلا في الحالات المستثناة بنص في القانون، وكانت حالات الطلب المنصوص عليه في القانون رقم 10 لسنة 2003 بإصدار قانون الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي لدول الخليج العربي هي من تلك القيود التي ترد على حقها استثناءً من الأصل المقرر، مما يتعين معه عدم التوسع في تفسيره وقصره على الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الطلب دون غيرها من الجرائم التي قد ترتبط بها. وإذ خلا القانون من اي قيد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية عن حيازة المواد المؤثرة عقلياً، وهي جريمة مستقلة ومتميزة بعناصرها القانونية عن جريمة التهريب الجمركي المعاقب عليها بموجب القانون سالف الذكر، فإنه لا على النيابة العامة إن هي باشرت التحقيق في جريمة حيازة مؤثر عقلي بغير قصد من القصود الخاصة، رجوعاً الى حكم الأصل في الإطلاق ويكون تحقيقها صحيحاً في القانون سواء في خصوص جريمة حيازة المواد المؤثرة عقليا، او ما يسفر عنه من جرائم أخرى، مما يتوقف تحريك الدعوى الجزائية فيها على طلب ما دامت قد حصلت قبل رفعها الى جهة الحكم على هذا الطلب- كما هو الحال في الطعن الماثل بالنسبة لجريمة التهريب الجمركي، إذ القول بغير ذلك يؤدي الى توقف الدعوى الجزائية كلما جد من الوقائع مما يقتضي طلباً، الأمر الذي تتأذى منه حتما العدالة الجنائية، هذا فضلا عن ان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع المبدى من الطاعن ببطلان تحريك الدعوى الجزائية لصدور الطلب بتحريكها بعد بدء التحقيقات، ورد عليه ملتزما ذلك النظر، فإن الحكم- فيما انتهى اليه من رفض هذا الدفع - يكون كافياً في اطّراحه، ومن ثم فلا محل للنعي عليه في هذا الخصوص.

حالة التلبس

أكدت المحكمة، في حيثيات رفضها الطعن المقام من المتهم وتأييد حبسه 15 عاما لجلب مواد مخدرة عن طريق تركيا بواسطة طرد بريدي، أن الحكم الابتدائي رد على دفع الطاعن ببطلان القبض عليه واطّرحه في قوله «وحيث انه وكان الثابت للمحكمة ان ضابط الواقعة شاهد الاثبات الاول فيها لم يلق القبض على المتهم الا بعد ان قام بتسلّم الطرد البريدي في الزمان والمكان اللذين حددهما عند الاتصال به، وكان تفتيش الطرد البريدي والواقع داخل الدائرة الجمركية قد أسفر عن وجود مؤثرات عقلية بداخله، مما تقوم معه حالة التلبس بالجرم المشهود وهو حيازة مواد مؤثرة عقلية، وهو ما يتيح لرجال الضبط تتبع تلك الجريمة، سيما أن حالة التلبس هي حالة عينية تقترن بالجريمة حال ارتكابها، ومن ثم يضحي القبض على المتهم وتفتيشه قد تما وفق صحيح القانون وتضحي الاجراءات التالية لهما بمنأى عن البطلان ويضحي الدفع المجدي من المتهم في غير محله وترفضه المحكمة»، كما أضاف الحكم المطعون فيه ردا على الدفع قوله «إن الثابت من واقعات الدعوى غير المجحودة، أن الشحنة المحتوية على المؤثرات العقلية قد سبق ضبطها وتفتيشها بمملكة البحرين، وتم بذلك التثبت من صحة المعلومات المبلغة لإدارة مكافحة المخدرات في الكويت من وجود جريمة جلب مؤثرات عقلية بقصد الاتجار إلى داخل البلاد، وقد تم استكمال اجراءات الضبط على النحو السالف بيانه بغية الكشف عن شخص المتهم الذي قام بجلب تلك الممنوعات».