لم يرتق الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا حتى الآن، إلى مستوى التحدي الذي يفرضه انسحاب الولايات المتحدة من القيادة العالمية، ولكن نظرا للمنافسة الجديدة من قِبَل الصين، جنبا إلى جنب مع طموحات روسيا المتجددة لاستعادة مكانة القوة العظمى، يتعين على الدول الغربية أن تعمل على إيجاد طريقة للتعاون بشكل أوثق.

لتحقيق هذه الغاية، يستلزم الأمر التعامل مع خمس قضايا بالغة الأهمية، تتمثل الأولى في علاقة ألمانيا بالولايات المتحدة، والتي تتعرض الآن لضغوط شديدة، الأمر الواضح الذي يتغافل عنه الجميع هو فشل ألمانيا في زيادة إنفاقها الدفاعي السنوي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بموجب الاتفاق في إطار قمة منظمة حلف شمال الأطلسي في ويلز في عام 2014. لأسباب تاريخية واضحة، تتردد ألمانيا في أن تصبح القوة العسكرية الفعلية في أوروبا، فلكي تفي ألمانيا بالتزامها في ما يتصل بالإنفاق الدفاعي، يتعين عليها أن تخصص 80 مليار يورو (89 مليار دولار أميركي) سنويا للقوات المسلحة الاتحادية الألمانية، وهو ما يزيد بنحو 46 مليار يورو على ما تنفقه فرنسا.

Ad

مع ذلك، لكي تتمكن من أداء دورها داخل التحالف دون أن تثير المخاوف في أوروبا الشرقية، تستطيع ألمانيا أن تنفق 1.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على العِـتاد والأفراد، في حين تلتزم بنسبة 0.5% إضافية لتمويل عمليات حلف شمال الأطلسي في منطقة البلطيق وبولندا. وهذا من شأنه أن يعزز قدرة الدول الأعضاء من أوروبا الشرقية على الدفاع عن الذات ضد العدوان الروسي فضلا عن إظهار استعداد ألمانيا لتحمل المزيد من المسؤولية.

القضية الكبرى الثانية هي العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لقد تغيرت التحديات المباشرة التي تواجه أميركا وأوروبا على مدار العقود السبعة الماضية، وفي الآونة الأخيرة، وسعت روسيا مجال نفوذها إلى شبه جزيرة القرم، وشرق أوكرانيا، وبحر أزوف، كما بدأت الصين تؤكد هيمنتها الاقتصادية والتكنولوجية في أوراسيا.

في الوقت ذاته، تكافح الديمقراطيات الغربية في التعامل مع الارتباكات الناجمة عن العولمة، والهجرة، والتكنولوجيا، وتغير المناخ، وفي ظِل حالة من تدهور الأمن الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، استغلت الحركات الشعبوية والقومية قلق الناخبين من خلال الوعد بالدفاع عن الوطن ضد النخب العالمية والمؤسسات المتعددة الأطراف التي شكلت الأساس الذي قامت عليه السياسة والاقتصاد منذ الحرب العالمية الثانية.

على الرغم من الخطاب الشعبوي، نجحت العولمة الاقتصادية في واقع الأمر في تعزيز الرخاء وتقليص الفقر، كما فتحت فرصا جديدة للتنمية في مختلف أنحاء العالم، ولكن في غياب دعم الغرب، يصبح من غير الممكن أن يستمر هذا النظام، وما نحتاج إليه الآن لفتح احتمالات جديدة للنظام العالمي هو عولمة المجتمع المدني، وتذكير الناس والمجتمعات بأن الدولة لا تزال قادرة على العمل بفعالية، ويبدأ هذا بزيادة الاستثمار في التعليم، والبحث، والبنية الأساسية، مع الحرص في الوقت ذاته على إيجاد التوازن بين التعاون عبر الحدود واحترام الخصوصيات والسمات الثقافية.

يقودنا هذا إلى القضية الثالثة: أو روسيا. في هذا السياق، أدى سعي الاتحاد الأوروبي إلى انتهاج سياسة متوازنة إلى خلق احتكاكات داخل الحلف الأطلسي، كما يتضح من التوترات بشأن مشروع نورد ستريم 2، وهو مشروع مشترك لخط أنابيب روسي ألماني. ترى الحكومة الألمانية في مشروع نورد ستريم 2 قضية اقتصادية جوهرية، فقد استثمرت شركات ألمانية وفرنسية وشركات أوروبية أخرى بكثافة في هذا المشروع؛ وفي كل الأحوال، من الخطأ السياسي الفادح التدخل في سوق الغاز الأوروبية الخاصة.

لقد سمح تحرير سوق الغاز بالفعل بقدر هائل من التوسع في إمدادات أوروبا من الطاقة، وفي نهاية المطاف، ينبغي للشركات، التي تتابع إشارات السوق، أن تقرر من أي جهة تشتري الغاز، ولكن لا يجوز للأوربيين أن يتجاهلوا المخاطر التي تهدد الاستقلال السياسي في دول مجاورة مثل أوكرانيا التي يمر خط نورد ستريم عبرها، وفي عموم الأمر تتمثل أفضل طريقة لتأمين إمدادات الطاقة في أوروبا في توسيع البنية الأساسية للغاز الطبيعي في أوروبا وتعزيز تكاملها، مع الحرص على بناء المزيد من المحطات الطرفية للغاز الطبيعي المسال. وبهذه الطريقة، يصبح من غير الممكن أن تقع أي دولة- سواء كانت دولة من الأعضاء أو من الشركاء المقربين- رهينة لاعتمادها على الطاقة الروسية.

تتمثل القضية الرابعة في الصين، التي أوضحت أنها تسعى إلى تنقيح ميزان القوى الدولي. من جانبها، تحدت إدارة ترامب الصين بحق في مجال التجارة، فمن غير الممكن أن تكون هناك "تجارة عادلة" عندما تقوم دولة لا تتقيد بالقواعد التي يتقيد بها الجميع غيرها بتنظيم 40% من الاقتصاد العالمي، إذ تقدم الصين إعانات الدعم بسخاء لصناعاتها، وتقيد القدرة على الوصول إلى أسواقها، وتنتهك بشكل روتيني حقوق الملكية الفكرية، وعلاوة على ذلك، يفرض نموذج رأسمالية الدولة الاستبدادية الذي تتبناه الصين تحديا مزدوجا، لأنه يمثل المنافسة الاقتصادية ونموذجا سياسيا بديلا في الوقت ذاته، وعلى هذا يحتاج الاتحاد الأوروبي وأميركا بشكل ملح إلى وضع قواعد واضحة متفق عليها بشكل متبادل في التعامل مع الصين.

تتلخص القضية الرئيسة الخامسة في الدور الذي تضطلع به أوروبا في العالم الأرحب، فإذا لم تنتبه أوروبا إلى حقائق المنافسة الصينية الأميركية الجديدة، فقد تصبح لاعبا عديم الأهمية أو التأثير في الساحة الجيوسياسية العالمية، والواقع أن الدلائل بدأت تشير بالفعل إلى تراجع أهمية أوروبا عالميا، فالحروب والصراعات على طول المحيط الأوروبي تتحدد الآن وعلى نحو متزايد من قِبَل قوى أخرى، في حين لا تضطلع أوروبا بأي دور واضح في حل هذه الحروب والصراعات.

الواقع أن تقاعس أوروبا عن تأكيد ذاتها ينطوي على أبعاد تاريخية، فلأسباب وجيهة، احتمى الاتحاد الأوروبي لفترة طويلة تحت المظلة الأمنية الأميركية، مع بقاء الاتحاد فعليا على الهامش، لكن هذا التصور الجيوسياسي لأوروبا اصطنعته أميركا، استنادا إلى خطة مارشال، وعلى حد تعبير هاستينجز إيسماي، أول أمين عام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، فإن الغرض من حلف شمال الأطلسي كان "إبقاء الروس في الخارج، والأميركيين في الداخل، والألمان في الأسفل".

لقد تغير الكثير منذ خمسينيات القرن العشرين، فاليوم، بدأنا، نحن الأوروبيين، ندرك تدريجيا أننا يجب أن نتكيف مع الحقائق الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، فقد انحسر عصر الأطلسي ليفسح المجال للعصر الباسيفيكي. ويتعين على الأوروبيين أن ينبذوا أي وهم يجعلهم يتصورون أن كل شيء سيكون على خير ما يرام في النهاية من تلقاء ذاته، الآن حان الوقت لاستجماع الشجاعة والإرادة لتحمل المسؤولية عن مصالحنا الاستراتيجية.

* سيغمار غابرييل ومايكل هوثر

* سيغمار غابرييل نائب مستشار ألمانيا ووزير خارجيتها سابقا، وهو رئيس مجلس إدارة مؤسسة Atlantik-Brücke. ومايكل هوثر مدير وعضو اللجنة التنفيذية الدائمة للمعهد الاقتصادي الألماني، ونائب رئيس مؤسسة Atlantik-Brücke.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»