ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي في دورته الـ26، أقيمت المنارة الثقافية الثانية في مكتبة الكويت الوطنية لتكريم الفنان الكبير الراحل غانم الصالح، بعد مسيرة طويلة من العطاءات التي لم تتوقف عند حد معين، وتسليط الضوء على تاريخه المشرف محليا وخليجيا وعربيا، والتأكيد على دوره الفاعل في النهضة الفنية التي شهدتها الكويت خلال مراحلها المختلفة.

وشارك في المنارة بأوراق بحثية الفريق المتقاعد مساعد صالح الغوينم (الأخ الأصغر للفنان الراحل)، ود. فهد العبدالمحسن، وأدارها الفنان داود حسين، بحضور الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب كامل العبدالجليل، والأمين العام المساعد لقطاع الفنون د. بدر الدويش، ونخبة من الفنانين والمثقفين والجمهور.

Ad

في بداية حديثه، أشار الفنان داود حسين إلى الصفات التي اكتسبها من مرافقته للصالح، موضحا أن الراحل كان دائم التصدق بالابتسامة على الجميع، ودائما ما يبشر بالفرح، متذكرا عادته التي لم يتخل عنها خلال حياته، وهي الحلوى التي كان يحتفظ بها في جيبه، وكلما سلم على أحد كان يدس في يده واحدة منها، ويقول له: "خليك طبيعي"، وهي لزمة جميلة منه كانت تشيع جوا من المرح والحب.

وفي ورقته البحثية، قال العبدالمحسن إن "الحركة الفنية الكويتية زاخرة وتعج بأسماء كثيرة، أغنتنا بما تركته من إرث فني رفيع، حيث ساهمت منذ عقود في تشكيل وعينا وثقافتنا".

وأضاف: "نقف الليلة عند قامة فنية نادرة أثرت الساحة الفنية بجودة الإنتاج، وتركت في النفوس أثرا خالدا لا ينسى، فقد وقف غانم الصالح شامخا على خشبة المسرح، متألقا على الشاشة وصوتا إذاعيا صادحا، حتى صار نجما لامعا من نجوم القمة، فعرفته الجماهير العربية فنانا متنوعا وشاملا، كما أنه شكل مثلا أعلى لطلاب المسرح في توجهه الأخلاقي والتزامه المهني، ونموذجا يحتذى لجميع المنتمين للحركة الفنية في الإبداع".

واستطرد: "منذ خمسينيات القرن الماضي كان طموحه واضحا وهدفه محددا بأن يصبح فنانا ذا شأن، ومن ثم بدأ خطواته الأولى ممثلا على خشبة المسرح المدرسي. من يتابع سيرة الصالح يلاحظ بوضوح تميزه في مختلف الحقول الفنية من مسرح وسينما وتلفزيون وإذاعة، ولم يأت هذا التميز من فراغ، بل نتيجة لقناعته والتزامه الأخلاقي الإيجابي لمهنة التمثيل".

محطات مهمة

وأضاف د. العبدالمحسن أن تجربة الصالح الفنية كانت في جميع مراحلها مختلفة ولافتة للنظر، انطلاقا من رغبته الصادقة في التعبير عما يحمل من رسالة سامية، فنجده حريصا على التمسك بمقومات النجاح وتحمل المسؤولية مع جهة الإنتاج (مدرسة قتيبة).

وبين أن انطلاقته الاحترافية كانت عام 1961، عندما أعلنت دائرة الشؤون والعمل، التي كان يرأسها آنذاك الراحل حمد الرجيب، تأسيس فرقة المسرح العربي، فقد شارك الصالح رفاق دربه الفنان سعد الفرج، والمرحوم عبدالحسين عبدالرضا، والفنان خالد النفيسي، في عملية تأسيس الفرقة، التي وضع لبناتها الأولى معلمهم المرحوم زكي طليمات.

وأردف: "كانت مسرحية صقر قريش أول عمل مسرحي يشارك فيه الصالح لفرقة المسرح العربي، مع عدد من الممثلين الراحلين، منهم مريم الغضبان والفنان عبدالله خريبط والفنان عبدالوهاب سلطان، والفنان عبدالحسين عبدالرضا والفنان خالد النفيسي، والفنان عبدالرحمن الضويحي والفنان حسين صالح الدوسري، ومن إخراج زكي طليمات، ثم توالت عروض فرقتهم دون توقف".

وشدد على أن الصالح كان صادقا جادا في تعاطيه مع مضامين العمل الفني، حيث كان يدخل في مرحلة التحضير والاستعداد كباحث مثابر ومناقش موضوعي، ملتزما بأصول المهنة.

وأوضح أن مسرحية "يا طالع الشجرة" من المحطات المهمة في مسيرة الغانم الفنية، معطيا فكرة عن تلك المسرحية التي لجأ فيها مؤلفها الكاتب توفيق الحكيم إلى الموروث الشعبي، كاشفا أن شخصية درويش تبلورت عند الصالح بشكل إبداعي أمام الكاميرا.

طيبة ونبل

من جانبه، أفاض مساعد الغوينم في الكشف عن بعض صفات الصالح، وما كان يتميز به من طيبة ونبل، موضحا أن أخاه هو الأخ الأكبر لثلاثة أولاد وبنتين، وأحد الوجوه المتميزة في مسيرة الفن الكويتي، واحتل مكانة خاصة بين زملائه، واكتسب قاعدة جماهيرية محليا وخليجيا وعربيا، ومن رواد الحركة الفنية والمسرحية في الكويت.

ثم عرج الغوينم في حديثه إلى الإرث الذي قدمه الصالح للساحة الفنية من مسلسلات ومسرحيات وأفلام، إضافة إلى الجوائز التي حصل عليها، وذكر بعض أقواله.

وكشف أن سر إتقان أخيه للهجة البدوية هو أن والدهما كانت لديه محلات في سوق السلاح لبيع بعض السلع الغذائية، وقد كان يحتك كثيرا بالبدو، ومن ثم تعلم منهم اللهجة إلى درجة اتقانها، كما تحدث عن الرجل الذي نزل معهم القبر وقت دفن أخيه رحمه الله، ورآه مرة أخرى في العزاء، فاكتشف أنه الفنان عبدالله الرويشد، الذي أفاض له بأن أخاه، رحمه الله، أنقذه من الموت في فترة من الفترات.

وفي المداخلات، تحدث د. خليفة الهاجري عن فيلم "الفخ" الذي شارك فيه الصالح، والذي يعد من الأعمال الكويتية المتميزة، بفضل ما فيه من أكشن، والنقلة النوعية في السينما الكويتية.

عمل تطوعي

وأكد العبدالجليل أن الصالح أثرى الساحة الفنية بأعمال خالدة، كما كان يتمتع بأخلاق عالية ودماثة في التعامل مع الناس، ومن ثم ترك أثرا طيبا وعلاقة متميزة مع الجميع.

وتذكر ارتباطهما بعمل تطوعي في دبي إبان الغزو الصدامي الغاشم، بعدما طرح عليه فكرة إنتاج برامج من خلال فرقة تكونت من 10 أشخاص، وكيف أن استوديوهات دبي فتحت أبوابها لهما لإنجاز هذه الأعمال التي خدمت قضيتهم الوطنية، ومن ثم عمل برنامج يومي اسمه "جسر المحبة"، يتحدث عن عدالة القضية الكويتية.

وفي الختام، عرضت سهرة "يا طالع الشجرة"، ومن ثم كرم العبدالجليل والدويش ابن الراحل بسام والمشاركين في المنارة بدروع تذكارية، كما قدم الفنان التشكيلي صالح المانع "بورتريه" للراحل، أنجزه خلال وجوده في المسرح وهو يستمع إلى المحاضرة.

واحتوت المنارة الثقافية على هامشها معرضا للصور الفوتوغرافية، يحكي في محتواه سيرة الفنان الراحل غانم الصالح.