شعرت الفلبين، حليفة الولايات المتحدة، بالقلق من تحركات الصين الفاضحة، لذا ذهبت إلى جرّها إلى محكمة دولية على خلفية النزاعات بينهما في عام 2013، ورداً على هذه الخطوة عمدت الصين إلى مضاعفة مطالباتها بالمنطقة المتنازع عليها، علماً أنها رفضت أن يتولى طرف ثالث إصدار الأحكام في هذه القضية، كان الأميرال فيليب ديفيدسون، رئيس القيادة الأميركية في المحيطَين الهندي والهادئ، محقاً حين وصف الأسلوب الصيني الاستثنائي والمعيب في سرد الوقائع ميدانياً بعبارة "الجدار العظيم للصواريخ أرض-جو"، على اعتبار أنه يهدد مباشرةً حرية الملاحة والطيران فوق المساحة البحرية في آسيا. واتخذت فيتنام موقفاً أكثر صرامة من الصين، ففي حين يستعد هذا البلد الواقع في جنوب شرق آسيا لاستلام رئاسة "رابطة أمم جنوب شرق آسيا" في السنة المقبلة، بعد مرور عشر سنوات على توليه هذا المنصب، لم يتردد في التهديد بتبني استراتيجية جديدة في بحر الصين الجنوبي. في الشهر الماضي، أصدر نائب وزير الخارجية في فيتنام، لو هواي ترونغ، تحذيراً علنياً مفاده أن فيتنام تفكر جدياً بإطلاق حرب قانونية ضد الصين، وشدد على أن بلده لن يكتفي بالتفرج على الوضع في حين يضايق "الطاغوت" الآسيوي الدول الأصغر حجماً في محيطه، ويرسم معالم أرضٍ جديدة في أعالي البحار وصولاً إلى مياه بلدان أخرى من دون أي محاسبة فعلية، وشدّد الدبلوماسي الفيتنامي على تعدد الخيارات المتاحة أمام فيتنام، وذكر أن بلده يستطيع اللجوء إلى طرقٍ متنوعة لمواجهة الصين، منها "استكشاف الحقائق، وأداء دور الوساطة، والمصالحة، والتفاوض، والتحكيم في النزاعات، ورفع الدعاوى القضائية".

في شهر أكتوبر استضاف مركز تفكير فيتنامي نافذ منتدىً عاماً مرموقاً وشجّع المشاركون فيه على إطلاق حرب قانونية ضد الصين "لتحديد الجهة المحقة والجهة المخطئة في هذه المسألة"، وتتعدد الأسباب التي تدعو إلى التفاؤل. عملياً، تشجعت فيتنام نتيجة الجهود الناجحة التي بذلتها الفلبين لتحدي مطالب الصين المتوسعة قانونياً، لا سيما مطالبتها بـ"حقوقها التاريخية" في منطقة "خط الفواصل التسع" التي تغطي معظم مساحات بحر الصين الجنوبي، وعدائيتها في محاولات استرجاع وعسكرة أراضٍ متنازع عليها عبر تحكيم إجباري بموجب "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار".

Ad

وعلى غرار الفلبين، تستطيع فيتنام أن تستعمل مقاربة التحكيم الإجباري لتعزيز حقوقها السيادية ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وأن تشكك بمطالب الصين التوسعية وتدفع باتجاه تحكيم دولي لا يتطلب موافقة متبادلة.

لكن يغفل الكثيرون في تحليلهم للنزاعات حول بحر الصين الجنوبي عن تغيّر وجهة بكين، غداة فوز الفلبين في التحكيم ضد الصين، فهي لم تعد تذكر "خط الفواصل التسع" المثير للجدل في بياناتها الرسمية في السنوات الأخيرة، كما أنها تبنّت مواقف شبه قانونية بديلة، بما في ذلك عقيدة "الرمال" المثيرة للسخرية وادعاء "اكتشاف" خريطة جديدة للدفاع عن مطالبها التوسعية في المنطقة. يثبت هذا التحول في اللغة القانونية والدبلوماسية من الجانب الصيني مدى أهمية التحكيم للدفاع عن المصالح المشروعة والقانونية للدول الأصغر حجماً التي تحمل مطالبها الخاصة.

باختصار، كانت الحرب القانونية التي أطلقتها الفلبين كفيلة بفضح الصين ودفعها إلى تعديل موقفها في مسألة بحر الصين الجنوبي.

على صعيد آخر، تستطيع فيتنام أن ترفع قضية أمام لجنة المصالحة لمعالجة المطالب المتداخلة، وخشية مواجهة قضية إضافية حذرت الصين من "تعقيد" النزاعات القائمة، فدعا غانغ شوانغ، المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الصينية، إلى عدم اتخاذ "تدابير تزيد الوضع تعقيداً أو تُهدّد السلام والاستقرار في بحر الصين الجنوبي وفي علاقاتنا الثنائية أيضاً". من الواضح أن فيتنام تملك ورقة ضغط قوية على الصين ويجب أن تشكر الفلبين لأن مبادرتها الجريئة شجّعتها على القيام بالمثل.

* ريتشارد جواد حيدريان

* "ناشيونال إنترست"