على وقع هُدنة هشّة بين حكومة طرابلس برئاسة فايز السراج وقوات «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر، تتجه أنظار الليبيين إلى العاصمة الألمانية، حيث يجتمع قادة الدول الإقليمية والدولية الفاعلة، لبحث مخرج للأزمة الآخذة في الاتساع عبر سلال 6 حددتها الأمم المتحدة، وفي مقدمتها هدنة دائمة وحظر الأسلحة وإصلاح قطاع الأمن والعودة إلى عملية سياسية.

مع حشد قوى العالم جهودها لإقناع طرفي النزاع بالتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، عشية انطلاق مؤتمر برلين، أوروبا إلى دعم تحركاته في ليبيا، وحذّرها من أن «المنظمات الإرهابية على غرار تنظيم داعش والقاعدة ستجد موطئ قدم على أراضيها في حال سقوط حكومة فايز السراج»، مشددا على أن الطريق المؤدي للسلام في الدولة العربية الغنية بالنفط يمر عبر تركيا.

Ad

وفي مقال لصحيفة «بوليتيكو» الأوروبية، قال إردوغان: «سندرّب قوات الأمن الليبية ونساهم في قتالها ضد الإرهاب والاتجار بالبشر»، مطالبا الاتحاد الأوروبي بأن يُظهر للعالم أنه لاعب مهم في الساحة الدولية.

وكتب إردوغان أن «فشل الاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم المناسب لحكومة الوفاق سيشكّل خيانة لقيمه الأساسية، بما في ذلك الديمقراطية وحقوق الإنسان»، معتبرا أن «ترك ليبيا تحت رحمة بارون حرب سيكون خطأ تاريخيا»، في إشارة إلى قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وفى إطار جولة تشمل المشاركة بفعاليات قمة الاستثمار البريطانية - الإفريقية بلندن، توجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسى على رأس وفد لحضور مؤتمر برلين إلى جانب قادة ورؤساء نحو 11 دولة عربية وغربية معنيّة بالملف الليبى، إضافة إلى ممثلين عن 4 مؤسسات دولية وإقليمية، في مسعى للتوصل إلى حل سلمي للنزاع.

6 محاور

ويناقش المؤتمر، الذي يشارك فيه أيضاً مع إردوغان والسيسي الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبدالمجيد تبون، ورئيسا وزراء بريطانيا بوريس جونسون وإيطاليا جوزيبي كونتي، ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إضافة إلى السراج وحفتر، مشروع بيان يتضمن 6 محاور، هي وقف دائم لإطلاق النار، وحظر توريد الأسلحة وحصره في يد الدولة، واستئناف العملية السياسية، وإصلاح الاقتصاد، واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، ووضع آلية دولية لتنفيذ مضمون هذه السلال وإحالتها إلى مجلس الأمن.

ووفق وكالة «تاس»، فإن مسودة البيان الختامي تنص على إنشاء آلية تحت رعاية الأمم المتحدة، تنقسم إلى قسمين، أولهما يتمثّل في لقاءات يعقدها شهريا ممثلون رفيعو المستوى عن الدول القائمة بالوسطة في تسوية الأزمة الليبية، مع تقديم تقرير حول نتائج كل لقاء، أما القسم الثاني فسيكون على شكل مجموعات عمل تعقد اجتماعاتها مرتين بالشهر في ليبيا أو تونس.

وفي إشارة لإرسال تركيا قوات لدعم حكومة السراج، تدعو الوثيقة إلى وقف كل تحركات الأطراف المتحاربة أو نقل قوات «من أجل تقديم دعم مباشر في جميع الأراضي الليبية منذ بدء سريان الهدنة».

وتقضي سلّة العملية السياسية بإنشاء مجلس رئاسي فاعل وتشكيل حكومة ليبية واحدة وشاملة وفعالة، يصادق عليها مجلس النواب، واستعادة العملية السياسية تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة، والمشاركة فيها بشكل بناء لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ومستقلة.

وقبيل المؤتمر، الذي يشترك فيه كذلك ممثلون عن الصين والإمارات والجزائر والكونغو، إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، أجرى حفتر محادثات في أثينا، قبل أن يشكر بوتين على جهوده الرامية لإنهاء الحرب ومبادرته لعقد محادثات «تفضي إلى السلام في ليبيا»، مؤكدا استعداده للعودة إلى روسيا لمواصلة الحوار.

ثوابت عربية

بدوره، يعرض الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط على المشاركين في مؤتمر برلين الثوابت العربية الرافضة لكل أشكال التدخلات العسكرية الخارجية والامتثال للتسوية السياسية الشاملة وتثبيت وقف إطلاق النار ودعوة الأطراف إلى التوافق على الترتيبات اللازمة لاستئناف الحوار بمساراته العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، برعاية المبعوث الأممي غسان سلامة.

ولاحقاً، اعتبر سلامة أن ليبيا «تحتاج إلى وقف كل التدخلات الخارجية» في شؤونها، معتبرا أن «أي تدخّل من هذا النوع يمكن أن يكون لديه تأثير المخدر على المدى القصير».

وبعد شكوى تونس من عدم دعوة قيادتها إلى المؤتمر، هدّد جيشها أمس الأول بضرب «أي هدف يقترب من المجال الجوي مع ليبيا»، مؤكدا رصده طائرات من دون طيار (درون) قرب الحدود دون اجتيازها.

ونفت وزارة الدفاع، في بيان، «ما تداولته بعض وسائل الإعلام بخصوص رصد طائرات داخل الحدود التونسية»، داعية «وسائل الإعلام إلى ضرورة التحرّي والتثبت من المعلومة من الجهات العسكرية والأمنية قبل نشرها».

الموانئ والهدنة

وفي حين عبّرت بعثة الأمم المتحدة عن قلقها من عواقب تعطيل ووقف إنتاج نحو 800 ألف برميل يومياً، حذرت المؤسسة الوطنية بطرابلس من الدعوات إلى «إغلاق الموانئ استباقا لمؤتمر برلين».

وقال رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله إن «قطاع النفط والغاز هو شريان الحياة بالنسبة للاقتصاد الليبي، ومصدر الدخل الوحيد للشعب، إضافة إلى أنّ المنشآت النفطية هي ملك للشعب الليبي، ولا يجب استخدامها ورقة للمساومة السياسية»، مضيفا: «سيكون لوقف الإنتاج وتصديره عواقب وخيمة على الاقتصاد منها انهيار في سعر الصرف، وتفاقم العجز في الميزانية إلى مستوى لا يمكن تحمله، ومغادرة الشركات الأجنبية، وخسائر في الإنتاج قد نستغرق سنوات عديدة لاستعادتها».

وبينما اعتبر المتحدث باسم «الجيش الوطني»، أحمد المسماري، أن وقف تصدير النفط عمل جماهيري وخطوة شعبية جبارة، اتهم تركيا بأنها استغلت وقف إطلاق النار ونصبت منظومة دفاع جوي قرب مطار معيتيقة بطرابلس، مؤكداً «وصول أسلحة بحراً وجواً وإنزال قوات معادية من تركيا وسورية بطرابلس».

ولم يستبعد رئيس الوزراء الإيطالي احتمال نشر قوات أوروبية لدعم السلام في ليبيا، مؤكدا أن هذه المسألة مدرجة على أجندة مؤتمر برلين.