كنتُ خلال السنوات القليلة الماضية، أقف أمام الأحداث السياسية العاصفة، التي تمرّ بمنطقتنا العربية أو العالم، لأبقى راصداً ومتأملاً لردود الأقلام المحلية والعربية المحسوبة على المشهد الفكري والإبداعي والثقافي. كنت أنظر إلى تفاعل وانفعال المفكر والمبدع حيال الحدث السياسي العابر. وكنت ولم أزل أتمنى أن تكون ردة فعل المفكر والمبدع والمثقف العربي خلافاً لما تأتي عليه ردود أفعال العامة الهائجة. وأن تكون قادرة على الإحاطة بمسببات الحدث، ونتائجه بشكل أعمق وأعم وأدق. فمن المهم الابتعاد عن الكتابة المتشنّجة تحت تأثير الانفعال الشخصي اللحظي، فهذا الانفعال قادر على تشويش الفكر، وشحن روح المفكر والمبدع بشيء من العصبية البغيظة، وبالتالي الخروج به من كونه مفكراً أو مبدعاً، ليكون صوتاً كباقي الأصوات، ويكون قلمه ردة فعل لحظية لما هو حادث.

أفترض أن المفكر والمبدع والمثقف ينطوي عن مستوى فكر مختلف، وعلى رؤية أوسع وأشمل من ضجيج حدث اللحظة العابرة، وبالتالي أفترض أيضاً أن يكون انفعاله بالحدث السياسي، أو العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي العابر، مختلفاً عما تتناوله العامة. بل إنني أتوقع أن تكون ردود أفعاله موضوعية ومعمّقة بحيث تأخذ بتفكير العامة إلى تبيّن زوايا مختلفة، ورؤية ما لا يظهر على السطح، وبالتالي الأخذ بهم إلى جادة الموضوعية، وجادة النظر إلى الأمور بميزان الوعي لا الانفعال. خاصة أن شبكات التواصل الاجتماعي باتت تكشف وتقدم كل ما يخطه الإنسان على صفحته الخاصة في "تويتر" أو "فيسبوك" أو "انستغرام" أو غيرها، وبما يشكّل دليلاً حاضراً ودامغاً على طريقة نظر الشخص إلى الحدث الدائر.

Ad

إن المتابع الراصد لردود الأفعال حيال مقتل الجنرال قاسم سليماني يرى في معظمها تشنّجاً وتعصباً، اما من جهة الكارهين والشامتين بمقتله، أو المحبين له والباكين على موته. بعيداً عن تأثير الحدث المزلزل على كل من الساحة الإيرانية والعراقية وباقي دول منطقة الخليج، وعلاقة ذلك كله بالولايات المتحدة. وأنا هنا لا أتكلم عن الشق العسكري أو السياسي في ترصد وقتل سليماني، لكني أتكلم عن ردود الأفعال الفكرية وانعكاساتها الاجتماعية، والتي جاءت على صفحات الكتّاب والمثقفين والفنانين في منطقتنا العربية، وأقف على الأخص في الكويت. فبينما تناول بعض الزملاء الحدث بشكل عقلاني بعيداً عن الانفعال، كاشفين عن شيء من توقعاتهم لما هو آت، مشيرين إلى أبعد مما هو قائم اللحظة، انعطف نفر آخر لتناول الحدث بشكل حاد، فيه من التشنّج أكثر مما فيه من الموضوعية.

إن ما يميّز أي مفكر أو مبدع هو قدرته على أن يكون صوتاً خاصاً بنفسه، وأن يقدم ما يعجز الآخرون عن تقديمه، شاملاً رؤية فكرية إنسانية متطورة، وأن يغلّب الجانب الموضوعي على الجانب العاطفي. فجزء من دور المفكر والفنان المقدس، هو إيمانه بقدرة الكلمة على الوصول للآخر والتأثير في وعيه. ومن هنا يكون الفنان صانع وعي بالدرجة الأولى، وليس ألزم لهذا الوعي من أن يكون إنساني النزعة، وأن يكون بعيداً عن التعصب والإقصاء والعدوان.

التغيّر من سنن الحياة، وتغيّر فكر الإنسان جزء أساسي من مسلكه، لكن يجب أن يكون هذا التغير مُتسقاً مع تاريخ الإنسان. فلا يصح أن يطرح أحدهم نفسه مدافعاً عن فكر أو منهج ما، وعبر سنوات طويلة، ليأتي بين ليلة وضحاها ويتخذ الموقف النقيض. فمثل هذا السلوك لا يتواءم ومسلكية المفكر والفنان الملتزم. صحيح أن من حق كل إنسان أن يغير فكره ونظرته إلى الأمور، لكن الصحيح أيضاً أن يكون لهذا التغيير ما يبرره، ويكون في اتجاه متوافق والقضايا الإنسانية. بعض المفكرين العرب يكتبون فكراً اليوم، ويأتون في الغد لينسفوه ليس بفكرة مختلفة، ولكن بتغريدة خفيفة تكشف عن ضحالة وعدوانية صاحب ذلك الفكر.