"المسلمون والغرب"

كما أسلفت، فإن المسلمين محكومون بخطابهم الديني المهووس بالغرب المعادي للإسلام، رغم شدة احتياجهم له، وعالتهم عليه في كل مقومات معيشتهم وأمنهم وحمايتهم، ومع ذلك فإن خطابهم الديني العام هو الأكثر هجاء له والشكوى منه.

Ad

لا يزال قطاع كبير من المسلمين يلومون الغرب، ويحملونه مسؤولية تخلف أوضاعهم، مع أن قرآنهم يقرر أنهم المسؤلون "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ"، وأن التغيير بأيديهم "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".

مقولات "الغرب الصليبي"، "الغرب الحاقد على الإسلام"، "الغرب عدو الإسلام"، تشيع في الأوساط الإسلامية المختلفة، يتضمن تعميماً ظالماً وجهلاً معرفياً، مناقضاً لهدي القرآن في الحكم بالعدل، وعدم التسرع في إطلاق التعميمات، فالغرب أغراب، فيهم المنصفون لنا والمتعاطفون معنا، والمدافعون عنا، الغرب- أقصد أوروبا وأميركا- هو الذي أدب سفاح الصرب وحاكمه، وهو الذي أنقذ المسلمين من الفناء في كوسوفو والبوسنة، وضرب على أيدي الصربيين، كما شهد به الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش، وهذا الغرب هو الذي ساهم في تحرير الكويت، وبالعقلانية في السلوك والواقعية السياسية وإحسان العلاقة مع الغرب، تحقق هذا الأمان والرخاء والاستقرار والازدهار الذي ينعم به الخليج اليوم.

لا يصح وصف علاقات المسلمين بالغرب (أوروبا وأميركا) بالعداء، فهي كعلاقتنا بالصين واليابان وروسيا وغيرها، تحكمها قاعدة واحدة، هي المصالح المشتركة، والاعتماد المتبادل، وهذه المصالح تتفق تارة، وتتناقض تارة أخرى، ولكنها لا تصل إلى العداء بأي حال، وفِي عالم العلاقات الدولية لا توجد عداوات أو صداقات دائمة، إنما مصالح دائمة، وقد شهدت هذه العلاقات، عبر التاريخ الطويل، مراحل مختلفة من الاتفاق والاختلاف، والإيجابيات والسلبيات، لكن الإيجابيات كانت هي الأكثر، فأفضل العقول العلمية العربية والإسلامية الرائدة، والحاصلة على "نوبل" تخرجت من جامعات "الحقبة الاستعمارية"!

وللغرب الدور الأكبر في حماية الشعوب العربية والإسلامية وتحريرها من طغاتها المستبدين.

إن اصطناع عدو بمنزلة الغرب، وزرع كراهيته في نفوس شبابنا سيحرمنا من الإفادة منه ومن علومه ومعارفه ونظمه الإدارية والاقتصادية والسياسية والعسكرية المتطورة وإنجازاته العلمية والتقنية والمعرفية، في الوقت الذي يجد المسلمون مجتمعاتهم في حاجة ماسة إليه، في طعامها ودوائها وسلاحها وتقنيتها، وكل مستلزمات حياتها، كما تشكل الاستثمارات الغربية وبخاصة المساعدات التي تقدمها أميركا، وهي بالمليارات، العامل الأكثر وزناً وحجماً في تنمية العالم العربي والإسلامي (معونة أميركا لمصر وحدها، وهي معونة تنموية اقتصادية وعسكرية سنوية لا ترد، تقررت عقب اتفاقية السلام 1978 تزيد على المئة مليار دولار)، ولا غضاضة، فأوروبا، نفسها وألمانيا بالذات، واليابان وكوريا، وبقية النمور الآسيوية، ما تقدمت إلا بالمساعدات الأميركية.

ولولا الدعم والتشجيع الغربي للسلطات الحاكمة في الدول الإسلامية، بإجراء الإصلاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان، وتوفير الحريات العامة، وتطوير مناهج التعليم، ما كانت لهذه القيم، ولا لنظم التحديث والتطوير، أن تجد متنفساً، في بلاد المسلمين!

عجبت لمسلم يسلم عقله لداعية يحرم تحية الغربيين أو مودتهم، وهم يرحبون بالإسلام والمسلمين في ديارهم، ويعاملون كمواطنين من الدرجة الأولى.

خطأ كبير، بحق ديننا وأنفسنا وأمتنا والمسلمين في الغرب، أن نصف علاقتنا بالغرب عامة، وبأميركا خاصة، بـ"العداء" بل ذلك من الخطورة التي تصل إلى حد "التهلكة" أو "الانتحار".

إن جانباً كبيرا من الطرح الديني التحريضي ضد الغرب طرح انتحاري مهلك يغذي التطرف، ويحول شباب المسلمين إلى قنابل بشرية، ليست ضد الغرب فحسب، بل ضد مجتمعاتنا وأنظمتنا وأوطاننا، وهي في النهاية مقولات يرددها خطباء ودعاة أيديولوجيون، يوظفون الدين توظيفاً نفعياً، بهدف التكسب الشعبوي، والنفوذ السياسي والمادي.

أخيراً: لا يمكن تحقيق نهضة إلا إذا تم التجاوز عن الأيديولوجيات المعادية للغرب، والتحرر من وساوس التآمر الغربي.

* كاتب قطري