عندما نشرت صحيفة "واشنطن بوست" وثائق حرب أفغانستان الأسبوع الماضي، حصلنا على دليل قاطع حول ما يعرفه الكثيرون منذ سنوات: أوساط السياسة الخارجية كاذبة! على مر عقدين تقريباً، لطالما سمعنا أن الفوز في الحرب الأفغانية وشيك، لكن اكتفت هذه الحرب اللامتناهية وغير النافعة بإهدار حياة عدد هائل من الناس وأموال دافعي الضرائب.

اعترف الرئيس ترامب بهذه الحقيقة في عام 2012 واستعمل موقع تويتر (كما جرت العادة) للتذمر حول هذا الموضوع، فكتب حينها: "أفغانستان كارثة حقيقية، نحن لا نعرف ما نفعله، بالإضافة إلى كل شيء آخر، هم يسرقوننا من دون علمنا". تمسّك ترامب بالفكرة نفسها منذ توليه الرئاسة، لكنه لم يضع حداً لتلك الحرب، مع أنه كان يتوق إلى ذلك بكل وضوح.

Ad

أضعف الرئيس موقفه حين جلب مستشارين ومسؤولين حكوميين مؤيدين لاستعمال القوة، كانت السفيرة السابقة نيكي هالي، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون الذي أقيل من منصبه لاحقاً، يميلون جميعاً إلى دعم التدخل العسكري أكثر من الرئيس، وما كانوا مستعدين لتطبيق سياساته المبنية على ضبط النفس، حتى أن وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس فضّل الاستقالة على إقرار خطة ترامب بتخفيض القوات الأميركية في سورية.

لكن للأسف، تبرز معضلة أكثر إلحاحاً من هوية مستشاري ترامب، وهي مشكلة منهجية ومن الأصعب تجاوزها. بكل بساطة تعمد أوساط السياسة الخارجية التي تحمل سمعة سيئة في واشنطن إلى إعاقة وإضعاف أي محاولة يطلقها ترامب للانسحاب من تلك الحروب الكارثية، وتعجّ السلطة التنفيذية بمسؤولين وبيروقراطيين مصمّمين على كبح كل محاولة لتغيير وضع المراوحة المدمّر.

اتضحت هذه النزعة مراراً في سيل التسريبات من موظفي البيت الأبيض الذين يكرهون الرئيس، أبرزهم مصدر داخلي جبان في الإدارة الأميركية طرح كتاباً غير مثبت بالكامل بعنوان A Warning (تحذير)، من دون الكشف عن هويته، وقد اعترف صراحةً بأنه تعهد، مع مخبرين آخرين، بإعاقة مسار ترامب حين يخالفونه الرأي.

تبدو السلطة واثقة جداً بسيطرتها على السياسة الخارجية الأميركية، وعند الإصغاء إلى الشهود خلال مهزلة عزل الرئيس، يسهل أن نستنتج أن البيروقراطيين غير المُنتَخبين مسؤولون عن تحديد مسار السياسة الخارجية الأميركية، لا الرئيس. ضايق البيروقراطي ألكسندر فيندمان في مجلس الأمن القومي مثلاً القادة المدنيين استناداً إلى لقبه العسكري، واعترف في شهادته أمام الكونغرس صراحةً بأنه حاول إعاقة صناعة السياسات المدنية.

لكن ربما بالغت السلطات النافذة هذه المرة في تقدير قوتها، فقد تلاشت ثقة الرأي العام في بيروقراطية الأمن القومي، نظراً إلى الدور الذي لعبته لإزاحة ترامب من السلطة، وحتى إجراءات العزل لم تكن نافعة، حيث أوضح تقرير المفتش العام الذي يفصّل عدداً كبيراً من الحالات التي تثبت خداع "مكتب التحقيقات الفدرالي" وأكاذيبه الصريحة أن أوساط الأمن القومي خرجت عن السيطرة على الأرجح. جاءت وثائق أفغانستان لتزيل أي شكوك متبقية، فلا يتعلق أهم اكتشاف فيها بالوضع الميداني المريع الذي يتضح عند إلقاء نظرة عابرة على التقارير والدراسات الكئيبة التي نشرها المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان خلال العقد الماضي فقط، بل تتمحور الفضيحة الحقيقية حول ظهور دليل قاطع على أن القادة الأميركيين ما كانوا أغبياء في سياسة أفغانستان، بل شاركوا وهم بكامل وعيهم في حملة من الأكاذيب والخداع طوال عقدين تقريباً. لا شك أن "كائنات المستنقع" في السلطة ستتذمر من الكوارث الوشيكة عند ظهور أبسط اقتراح بضرورة مغادرة أفغانستان، لكن بفضل هذه الوثائق الأخيرة، يستطيع ترامب ومن ينوب عنه الطعن بمصداقية هؤلاء وتجاهلهم، ويُفترض أن يقوموا بذلك. خلال الأشهر القليلة المقبلة، من المنتظر أن يبدأ 4 آلاف عنصر عسكري مرحلة الانسحاب التدريجي من أفغانستان، إنها خطوة في الاتجاه الصحيح حتماً، لكن سيبقى بين 8 و9 آلاف عنصر في وضع خطير بلا مبرر.

في وقت سابق من هذه السنة، بدأ البنتاغون يُحضّر خطط طوارئ في حال أمر ترامب بانسحاب سريع، وينتظر الجنود الأميركيون هذا القرار من الرئيس بفارغ الصبر لتنفيذ تلك الخطط والعودة إلى ديارهم.

على الأرجح، لن يحصل ترامب على فرصة أفضل من تلك السانحة له الآن لتجاوز الاعتراضات وإعادة الجنود من حرب بلا معنى: نعرف الآن أن المدافعين عن تلك الحرب في العلن يعترفون في أوساطهم الخاصة بأنها كارثة مطلقة، إذاً حان الوقت لإعادة الجنود إلى ديارهم!

*زاكاري يوست