من المتواتر في الأوساط الصحافية والثقافية أنه في أولى محاضرات قسم الصحافة بكليات الإعلام يقال للصحافيين المبتدئين «عض كلب رجلاً»، هذا ليس خبرًا، لكن الخبر هو «عض رجل كلباً»!

العمل الصحافي عمل متكامل من حيث مضمون الخبر ومصداقيته وتضمّنه عناصر أساسية تجيب عن ثلاثة أسئلة: عمّن يتحدّث الخبر؟ ومتى وأين حدث؟ وما مضمونه؟ فضلاً عن بُعده عن التكلّف والركاكة والحشو غير المفيد.

Ad

هذه هي المكوّنات الرئيسة للخبر، والتي تكاد تحاكي مكونات جسم الإنسان وأعضاءه، غير أن هذا الجسم لا قيمة ولا حياة له من دون الرأس، والرأس في الخبر الصحافي هو العنوان، وله– وفق قناعتي- الدور الأساسي في جذب القارئ وتشويقه ودفعه إلى قراءة الخبر، ومعرفة تفاصيله. وعناصر الجذب تتطلب من الصحافي تمرّسًا في اختيار العنوان الأكثر تشويقًا وإبهارًا وإمتاعًا، على أن يكون ذلك دون تكلّف أو خروج عن اللياقة، أو استظراف غير مبرر، فالمهنية والحرفية تتطلبان الموضوعية و»الإثارة الممتعة»، مما يحتّم على الصحافي أن يكون محيطًا بجماليات اللغة العربية، المتمثلة في المحسّنات البديعية، كالجناس والطباق والسّجع والكناية والاستعارة والمقابلة، واستخدام المترادفات المتشابهة والبديع، للاغتراف مما تحويه لغتنا الثرّة من جمال وروعة بيان.

ومن خلال رصد بعض العناوين اللافتة في الصحافة الكويتية، اخترت منها نماذج رأيت أن فيها إبداعًا وحسن اختيار، وحرفية عالية، ومنها:

* الأمير أمرَ 14: سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد يأمر باعتماد قرار «فيفا» بشأن عدد الأندية التي تشارك في لعبة كرة القدم.

* بوناصِر... ناصَر ناصِر: سمو أمير الكويت (وكنية سموه بوناصر) يعيد تكليف الشيخ ناصر المحمد تشكيل الحكومة السابعة.

* الأزرق لبى الـ«ندا»: «منتخب الكويت الأزرق يحرز هدف النصر عن طريق اللاعب مساعد ندا».

* «سلطنت عمان» (بالتاء المفتوحة) (فوز سلطنة عُمان بالمركز الأول في «خليجي 19»).

* البدر يطلّ على الخليج (تعيين علي البدر رئيسًا لبنك الخليج).

* جلسة «بدون» نصاب! (مجلس الأمة الكويتي عقد جلسة لمناقشة قضية «البدون» لم يكتمل فيها النصاب).

* الفن التشكيلي في الكويت... لا تشكيلي ولا أشكيلك!

* «استقالوه» (نواب مجلس الأمة بالكويت يجبرون وزير المالية الأسبق بدر الحميضي على الاستقالة).

* مَن يفكّ ألغازَ الغاز؟ (تساؤل عن مشكلة الغاز المتسرّب في منطقة الأحمدي الكويتية).

* الأحرار في قبضة الأمن.... والقبّيضة أحرار (اعتقال بعض الشباب الذين اقتحموا مجلس الأمة، في حين أن من يسمون «القبّيضة» مازالوا أحرارًا).

* حولي... خلّها تولّي! (بعد إغلاق أحد مخارج منطقة حولي على الدائري الرابع).

* ليلة سوداء في... «السفارة في العمارة» (اقتحام سفارة إسرائيل في القاهرة، ضمن أحداث ثورة يناير 2011، ويلاحظ الإسقاط على فيلم عادل إمام).

* شكلها باظت في مصر! (صدور كتاب في مصر بعنوان «شكلها باظت» لعمر طاهر).

* أوباما يعلن الطوارئ في ألاباما (يلاحظ الجناس بين كلمتي أوباما وألاباما)!

* الطريق «شالكة» إلى ويمبلي (المقصود «سالكة» بالطبع).

* ليلة بكى فيها... المجلس! (اقتحام مجلس الأمة، والعنوان مستوحى من اسم الفيلم الشهير «ليلة بكى فيها القمر»).

* مواجهة تيماء... دخانٌ ودمعٌ وخراطيم ماء! (مواجهة الداخلية لتظاهرات البدون في تيماء قبل سنوات).

* «أماني» التجاريين على طاولة بورسلي (تعيين د. أماني بورسلي وزيرة للتجارة).

* الجيش المصري يُعيد «الشهيدين» إلى الحياة! (الجيش أعاد إعمار كنيسة اسمها «الشهيدين» بعد احتراقها).

* «العادلي» أساس المُلك (بقاء حبيب العادلي 14 عامًا وزيرًا لداخلية نظام الرئيس المصري المخلوع مبارك).

* ومن أغرب العناوين ما ورد في الصفحة قبل الأخيرة منذ سنوات عدة في جريدة الراي، وهو «انقلاب عسكري في الكويت»، واتضح أن عسكريًا انقلبت سيارته في مدينة الكويت!!

* اللبنانيون انتظروا السيولة... فدهمتهم السيول! (على وقع أحداث لبنان أخيرا). إن صياغة العنوان فن وإعمال فكر، وابتكار العنوان الجاذب للقارئ يدل على خبرة ودراية لغوية، وفطنة وحُسن استغلال وربط الأحداث بعضها ببعض، مما يدفع القارئ دفعًا لقراءة الخبر... وهذا قمة النجاح بالنسبة إلى الصحافي، فتحية احترام وتقدير لـ«مهندسي» العناوين!