المتابع لأحوال الأمتين العربية والإسلامية يذهله ويحزنه النمط الثقافي السائد لدى الأنظمة ومؤسسات التعليم والنخب السياسية والثقافية، وأيضاً لدى الشعوب.

فنحن أمم لا نبحث عن سبل وأسباب النهوض، الذي يضعنا في مصاف الأمم المتقدمة، وربما يجعلنا نتفوق عليها، بل ننشغل بتوافه الأمور وهوامشها، فنتحدث عن خلافاتنا وكأن الذي بيننا خلاف جذري، وليس تفاوتاً في الاجتهاد ووهناً في التعايش الذي يورث عدم القدرة على التسامي والابتعاد عن الانتصارات أو المكاسب الشخصية. نعيش صراعاً مستمراً لا يعبر عن إرادتنا الحرة، بل هو استجابة للأطراف الخارجية التي تُحرّض بَعضَنا على بعض، وتبحث في متناقضاتنا وتحيي نعراتنا الفكرية الخاوية، أو الثقافية الهشة، أو الدينية المندفعة، فننشغل في تبديد طاقاتنا وإمكانياتنا بعضنا ضد بعض، خدمة للأطراف الخارجية وليس لخدمة أمتنا أو قضايانا.

Ad

ولذلك كله يغيب عن أنظمتنا ومؤسسات التعليم والنخب السياسية والثقافية، وحتى لدى الشعوب، "مشروع قومي أو وطني" تتوحد جهودنا من أجله ونربي أجيالنا عليه ونتحاور من أجل إعلائه، ونُسخّر إعلامنا ومؤسساتنا لتحقيقه، بل نستنزف طاقاتنا وإمكانياتنا فيما لا طائل من ورائه، بل ويفت في عضدنا، وهذا هو الفرق بيننا وبين كافة الأمم المتقدمة التي حددت اتجاه بوصلتها لإنجاح مشروعاتها "القومية أو الوطنية"، ونحن بالمسار الخاطئ.

إن الاهتمام بالتنمية البشرية هو ركيزة الدول والأمم لتحقيق مشاريعها القومية أو الوطنية، ولا شك في أن العمود الفقري للتنمية البشرية هو التعليم، إلا أن التعليم في عالمنا العربي وفِي الكويت أبعد ما يكون عن تحقيق تنمية بشرية حقيقية.

فالتعليم بسبب نمط التوجه العام لوزارات التربية، سواء في الكويت أو في العالم العربي، صارت غايته تأمين مقعد دراسي لا تحقيق تعليم تنموي، أي أن غاية التعليم بالنسبة إلى الوزارة هي منح الشهادة، لا العلم والتنمية.

كما أن الوظيفة صار متطلبها هو الشهادة، أياً كانت وكيفما تكون، لا مدى التأهيل والإمكانيات لدى شاغلها وقدرته على تأدية مسؤولياتها.

والأخطر أن مؤسسات التعليم أصبحت تمنح شهادات دون أن تغرس قيماً أو تبني إنساناً فاهماً وقادراً على تحمل المسؤوليات المجتمعية.

وحتى أولياء الأمور لم يعودوا يهتمون بما يحصله أبناؤهم أو بناتهم من علم وتأهيل وتنمية لقدراتهم، بقدر ما يسعى كل منهم أن يحصل ابنه على الشهادة، سواء حضر أو لم يحضر، تعلم أو لم يتعلم، تكونت له قدرات أو لم تتكون، فكل ما يسعى إليه هو تلك الورقة التي تسمى "شهادة"، كي يقال إن ابنه -أو ابنته- "جامعي"، وهو فِي حقيقته خواء من العلم.

إن النهوض بالوطن أو بالمشروع القومي يحتاج إلى مراجعة جادة لبحث أسباب تخلفنا وتراجعنا وتقدم غيرنا، ولن تستغرق المراجعة طويلاً كي ندرك أن العلة هي في غياب التنمية البشرية الفعلية التي توجد إنساناً قادراً على تحمل مسؤوليات الحياة، ملتزماً بقيم دينية ومجتمعية وأخلاقية رصينة، يملك إمكانيات وقدرات إثر تأهيله علمياً وثقافياً، واعياً ومدركاً لواجباته تجاه وطنه وأمته، يحترم كل المهن ويقدر العلم، ولا يكون سعيه لنيل الشهادة فقط.

إذا وجهنا جهود الدولة والأمة من أجل تنمية البشر، ففي هذه الحالة نكون وضعنا أقدامنا على الطريق القويم لإنجاح مشروعاتنا الوطنية والقومية، وبغير ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة، ونؤسَر بتبعيتنا للغير وفقاً لإرادتهم، ولن نتمكن من النهوض.