قصة الخباز الإيراني، على الرغم من التفاعل الواسع معه على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تعكس أحد أمثلة الكوميديا السوداء، ناهيك عن كونها وسيلة خطيرة أخرى لإلهاء الناس عن القضايا المصيرية في أدق مراحل الحياة السياسية، وهذه القصة كغيرها من القصص إما المفبركة أو الحقيقية التافهة مثل سالفة "السطل" أو "الجوكر" أو "عروس السالمية" تكشف الفارق الكبير والتناقض الشديد على الصعيدين الشعبي والرسمي.

فقد تم تناول تفاصيل الخباز الإيراني والجريمة البشعة التي ارتكبها خلافاً للقانون بتفاصيل وتعليقات قد تكون ساخرة لكنها دون مبالغة تفوق ما قد يتم تداوله بشأن رؤية 2035، وبما أن الكويتيين مبدعون في الفكاهة السياسية فقد استغلوا هذا الخبر لنشر سيل من التهكم والإسقاطات أو النغزات التي تحبس نفوسهم عن صور وتطبيقات الفساد الكبرى، ولكن يمنعهم عن البوح بها صراحة الملاحقة القانونية وصولاً إلى سحب الجناسي!

Ad

من الصغر ونحن نتعامل مع الخباز الإيراني كأهم وسيلة لشواء سمك الصبور والنقرور خاصة في أيام الزوارة، دون أن يمثل ذلك جريمة تصل إلى إغلاق الخباز، حيث إن تطبيق هذا الإجرام كان يعني أن يموت الناس من الجوع، حيث انتشار هذا الانتهاك القانوني بين كل خباز في الفريج، غاية ما في الأمر أن الناس تطورت وصار الصبور المشوي يصل إلى البيوت عبر خدمة "توصيل"، واستبدل ذلك بالخبز بنهكة جبن الكرافت الشهيرة أو النوتيلا!قد يستمر هذا الحزم الحكومي في تطبيق القانون على محلات النخي والباجيلا لأنها تمادت في إعداد الآش والباجه وشوربة العدس، أو البقالات التي تحولت إلى شركات للاتصالات وبدأت تبيع بطاقات التعبئة، أو خياط الدشاديش المتهم بخياطة السديري الشتوي، أو حتى يسري الأمر على مصبغة الملابس إذا ما استلم الفوط والشراشف والديباج لأنها غير مصنفة كملابس! القائمة تطول والتناقضات تزداد، فزرع شجرة أمام المنزل يعتبر تعدياً على أملاك الدولة وتجرفها سيارات فرق الإزالة، لكن ملايين الأمتار المربعة من الحيازات الزراعية التي توزع للمعازيب حلال زلال وإن باعها أصحاب الانتفاع بها في السوق الحرة، ونصب خيمة منزلية انتهاك للقانون لكن مصادرة الواجهات البحرية من شمال البلد حتى جنوبه لا تملك أجهزة الدولة جرأة حتى الاقتراب منها، أما مليارات المال العام فلا يمكن التطرق لها ما دامت الحكومة اكتفت بتطبيق القانون على الخباز، وهذه هي الرسالة التي تريد أن توصلها إلى الناس في إشارة إلى أن هذا هو حد إمكاناتنا.

المهم قصة الخباز الإيراني جاءت في وقت مناسب لتكون حديث الساعة بدلاً من التفكير والتعليق على خبر التشكيل الوزاري الذي نسيه الشعب أصلاً، فيا بختنا سياسياً ولدينا رئيسان للحكومة ولكن ليس لدينا حكومة!