في أواخر عام 2015 وعندما بدا أن فيضان اللاجئين الى أوروبا قد لا يتوقف على الاطلاق عقدت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل مؤتمراً صحافياً بعد زيارة قامت بها الى مركز للاجئين على مقربة من مدينة دريسدن حيث قالت: «نحن سوف نتدبر هذا الوضع»، وبدت تلك الجملة يومها بعيدة عن وجهة نظر باراك أوباما الذي تحدث عن «تغيير نستطيع قبوله» وعن جملة الرئيس دونالد ترامب «لنجعل أميركا عظيمة من جديد». وكانت لغة ميركل يمكن أن تقال عن مصبغة ملابس والتسوق من بقالة أو نقل النفايات خارج المنزل، وكانت تعبر بصورة نموذجية عن سياسة حاولت منذ زمن طويل دفن العقيدة تحت طبقة من التفاصيل الادارية.

وقد صدرت الانتقادات الحادة لكلمات ميركل عن جناح أقصى اليمين المعروف باسم البديل لألمانيا الذي صرح رئيسه الشريك الكسندر غرولاند بأن الحزب «لا يريد أن نتدبر ذلك على الاطلاق». وكان الملاحظ أن الكفاءة التي تحدثت عنها المستشارة ميركل قد تحولت الى شعار استغله خصومها كما أن السياسة الألمانية منذ المؤتمر الصحافي الذي عقدته ميركل قبل أربعة أعوام قد انجرفت بصورة ثابتة نحو اليمين.

Ad

يذكر أن التعددية قد ميزت الحياة العامة في ألمانيا في فترات ما بعد الحرب وذلك ليس بسبب غياب تطرف جناح اليمين بل بسبب قوة الاجماع التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية والتي أفضت الى ظهور « اقتصاد الأسواق الاجتماعية « الذي جمع بين منافسة الأسواق الحرة وبين دولة الرعاية القوية والدعم القوي لاتحاد النقابات. وكان هذا الخليط من الأسواق الجيدة التنظيم القوي والاستثمارات المستمرة في البضائع العامة قد ساعد الاقتصاد الألماني على النهوض من ركام الحرب العالمية الثانية والتقدم نحو مركز الهيمنة في أوروبا الذي تتمتع ألمانيا به في الوقت الراهن.

سياسة الوسط

اتبعت ألمانيا – مثل الولايات المتحدة وبريطانيا – ما كان يدعى سياسة «الوسط الجديدة» في التسعينيات من القرن الماضي ولكنها تسببت من خلال ذلك بتفكيك المؤسسات التي أبقت الى حد كبير التفكير المتطرف خارج السياسة الانتخابية. وكانت موجة الخصخصة التي ميزت تلك الفترة مألوفة لدى قراء اللغة الانكليزية حيث تبين أن الفوائد التي كانت سخية بصورة نسبية ومتاحة على نطاق واسع للمتقدمين المؤهلين قد أصبحت الآن ضعيفة ومتوقفة على اذعان المتلقي لعدد من الأنظمة الكيفية والتي كانت مذلة في بعض الأحيان.

وكانت النتيجة غير مرضية بعد عدة عقود من تطبيق تلك الأنظمة، وعلى سبيل المثال وفي عام 2013 كانت حصيلة أكثر شريحة تحقق الثروة في ألمانيا تعادل تلك التي حققتها في عام 1913، بحسب تقرير اللامساواة الدولية حول هذا الموضوع والذي صدر في العام الماضي.

البديل المحتمل للإجماع

والسؤال اليوم هو: ما الذي سوف يحل محل الاتفاق في الرأي في المجتمع الألماني؟ تهيمن وجهات النظر العرقية والمعادية للسامية بما يكفي في أوساط السكان بحيث أن اتفاقاً جديداً يمكن أن يبرز حول الوطنية العرقية كما حدث في المجر على سبيل المثال، ولكن ليس بالضرورة على أي حال. وفي عام 2015 جرت مسيرات احتجاج ضد الهجرة فيما واجهت الشرطة 25 ألف متظاهر في مدينة دريسدن الألمانية التي تعتبر أحد معاقل الحركة المناهضة للهجرة. وعلى الرغم من ذلك، شارك ما لا يقل عن 30 ألف شخص في مسيرة مناهضة لتلك الحركة في مدينة لايبزيغ المجاورة. وفي العام الماضي، اجتذبت مسيرة مناهضة للعنصرية في برلين أكثر من 240 ألف مشارك.

في غضون ذلك، أظهرت انتخابات اقليمية حديثة امكانية تحقيق برامج رعاية اجتماعية قوية لتجريد أقصى اليمين من زخمه وتققدمه، وكان حزب البديل لألمانيا حقق مكاسب كبيرة في ولايات ألمانيا الشرقية وهي ساكسوني وبراندبيرغ في شهر سبتمبر الماضي ويتوقع الكثير من المراقبين أن يحقق الحزب نتيجة مماثلة في انتخابات الشهر المقبل في ثورنغيا، ويثير احتمال تقدم ذلك الحزب في تلك الولاية الكثير من القلق بسبب أن قائد الحزب هناك هو بجورن هوكه وهو أحد أبرز المتطرفين في الحزب والذي اشتهر بانتقاده الحاد لذكرى المحرقة في برلين على اعتبار أنها ليست ضرورية وهي «ذكرى عار»، ولكن على الرغم من الزيادة التي حققها حزب البديل لألمانيا فقد كان الفائز في الانتخابات الأخيرة هو حزب داي لينكه.

وحزب داي لينكه الذي نهض من ركام الحزب الشيوعي الحاكم في ألمانيا الشرقية بعد توحيد شطري ألمانيا حقق حصيلة ضعيفة في الانتخابات الأخيرة في البلاد. وفي ثورنغيا، على أي حال، فاز بأكبر عدد من المقاعد ولأول مرة في تاريخه.

ويرجع نجاح ذلك الحزب الى حد كبير الى بودو راميلو وهو الوزير الأول في ثورنغيا منذ عام 2014 بدعم من الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب الخضر، ولكنه اتهم بالتطرف وتم التحقيق معه من جانب الاستخبارات الألمانية للاشتباه بتعاطفه مع الحزب الشيوعي في فترة شبابه.

رياح معاكسة

وسوف يواجه راميلو موجة من الرياح المعاكسة ويرجع ذلك في المقام الأول الى خسارة شريكيه في الائتلاف – الخضر والاشتراكيين الديمقراطيين – لعدد من المقاعد في انتخابات شهر أكتوبر الماضي وهو ما حرم الائتلاف من الحصول على أكثرية في البرلمان. ولكن على الرغم من ذلك لم يشهد حزب راميلو تراجعاً في دعم الناخبين وقد تمكن من ادارة هذا الفوز عن طريق اغراق زخم الفاشيين بخطط تقاعد ومقترحات رعاية صحية وهو ما سحب الطاقة من منطق حزب البديل لألمانيا عبر اتخاذ خطوات راسخة لتحسين برامج الرعاية الاجتماعية في البلاد.

وتجدر الاشارة على أي حال الى أنه على الرغم من فوز راميلو في الانتخابات الأخيرة فقد هيمن حزب البديل لألمانيا على وسائل الاعلام العالمية، وفي حقيقة الأمر فإن صحيفة نيويورك تايمز وهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) وشبكة سي ان ان قامت كلها بتغطية انتخابات ثورينغا ووصفتها بأنها تشكل نجاحاً مدوياً لحزب البديل لألمانيا من دون الاقرار بالأداء التاريخي الذي قام به حزب داي لينكه فيها.

ومن خلال التعتيم على نتائج الانتخابات فقد حرمت وسائل الاعلام القراء من الأمل المشروع الهادف الى تعطيل أقصى اليمين ومن الفرصة لدراسة التكتيكات التي أسهمت في توقف المتطرفين في مساراتهم المختلفة.

انتصار أقصى اليسار

في غضون ذلك يتعين الاشارة الى أن فوز رجال السياسة من أقصى اليسار في ألمانيا الشرقية وهي منطقة في طريقها لأن تصبح قاعدة أقصى اليمين لم يتمتع باهتمام وسائل الاعلام ولكن ذلك ينطوي على درس أكبر وهو أنه حتى مع نفور الكثير من الألمان فإن شريحة أوسع من المواطنين تريد ارسال أولادها الى مدارس جيدة ولائقة. وفي الخيار بين وعود الوسط الفارغة ولغة الكراهية سوف تختار شريحة أوسع الخيار الأخير. وفي الخيار بين الكراهية والرعاية الصحية الأفضل سوف تختار تلك الشريحة الرعاية الصحية. وكان تيودور أدورنو وهو فيلسوف مرموق جادل كثيراً في هذا الموضوع في محاضرة ألقاها في عام 1967 ونصح فيها مستمعيه بعدم «محاولة التصرف مثل رجال جناح اليمين». وقال إن الفاشيين يعمدون الى استخدام الدعاية والنزاع العقائدي يساعد دائماً قضيتهم. وأشار الى أن على اولئك الذين يسعون الى الحاق الهزيمة بهم أن يستعدوا لاستخدام «قوة المنطق ومواجهتهم بالحقيقة غير العقائدية بصورة واقعية».

بيتر كراوس *