لم يكن إعلان الرئيس الأميركي اعترافه بالمستوطنات الإسرائيلية غريباً على سياساته أو سياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية والعالم؛ فقد اعترف قبلها بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومر الأمر مرور الكرام، ثم منح من لا يملك من لا يستحق حين اعترف بالجولان تابعة لإسرائيل. الاعتراف في حد ذاته هو إعلان للسياسات الخفية وتوازنات القوى في المنطقة، وهي توازنات معتمة لا يمكن معرفتها إلا بالنتائج والإعلانات المستفزة المماثلة لما تقوم به أميركا. وليس الأمر خافيا على أي متابع: لماذا ترتفع نبرة التحديات أحياناً وتخفت أحيانا أخرى؟ وهل هي نبرة تنبئ عن احتمالات تفجر الصراع أم أنها مجرد مناورات خطابية فارغة؟ أم ترى أن الصراع قائم طوال الوقت ويسير من عنيف لأعنف؟

ربما يكون الأمر أبعد قليلا من الحسابات الإقليمية، أو علاقات القوى العالمية بالمنطقة، إذ يبدو أن العالم كله يغذي ثقافة الحرب تحت مسمى رأسمالي حديث هو التنافس الذي يعبر عن صراع البقاء "الطبيعي" البدائي. الجملة الأخيرة يمكن أن تفتح لنا مجال التأويل واسعا لما نراه من آليات السوق التي تمت شرعنتها والاعتراف بها كأنها أمر بديهي. نعم لقد تم تقنين حالة الصراع والحرب، التي يزداد يوما بعد يوم خلوها من الشرف والنبل باسم التنافسية و"الشطارة"، سواء التجارية أو السياسية. إن صعود ترامب هو في حد ذاته تعبير عن ثقافة حرب تقنعت بخطاب رأسمالي كثيف عن شراسة المنافسة، وضرورة إحراز المكاسب والحفاظ عليها بأي ثمن، ويالها من فكرة مخيفة "الحفاظ على المكتسبات بأي ثمن"! أليس هذا بالتحديد ما تفعله الحروب والإبادات العرقية والمذابح الجماعية وحالات الاستعمار عبر التاريخ؟ لقد حاول الضمير الإنساني أن يضع ضوابط لحالة الصراع المسلح، لكنه في الحالات معظمها فشل في الالتزام بها، وما نراه الآن هو صراع غير شريف كغيره من مساخر الحرب الإنسانية عبر التاريخ، لكنه صراع مكشوف الوجه في لا أخلاقيته، مستهين بكل الإعلانات البشرية عن حقوق الإنسان، بعد أن ثبت أنها مجرد حبر على ورق.

Ad

نحن نعيش ثقافة حرب على مختلف الأصعدة، ثقافة قاتمة تدفع الوعي الإنساني نحو يأس عميق وقاس، وتصور نفسها بوصفها الطريقة الوحيدة للعيش المشترك، أو لنقل "الموت المشترك". ثقافة الحرب تحتقر كل ما هو إنساني مسالم لأنه بالنسبة لها مضيعة للوقت والجهد اللازمين، لكي نبقى جميعا مستعدين في ميدان المعركة، التي نعلم أننا جميعا سنموت فيها بلا سبب واضح. إنها سخرية من نوع خاص يتلبس ثوب العملية والواقعية. سخرية تعلن عداءها الصريح لكل محاولات الحالمين من فلاسفة ومفكرين إنسانيين حاولوا ومازالوا يحاولون نشر ثقافة من نوع مختلف لا يقوم على الصراع الدموي البدائي.

الأزمة واضحة وهي أن ثقافة الحرب تلتهم تدريجياً، باسم فكرة الانتصار/الكسب، منظومات القيم الإنسانية التي صنعتها حضارة الإنسان عبر آلاف السنين، وهي في الوقت نفسه تستهلك بلا إشفاق أو روية موارد الكرة الأرضية، كمن أصابه سعار لا يدري هدفه. فهل تكون هذه نهاية الأرض وحضارتها؟ ربما.

لكن الأمر ليس سوداويا بصورة كاملة، فهناك وعي نقيض ينمو في العالم ضد ثقافة الحرب، وهو ما نراه في جماعات حقوق الإنسان غير المسيسة، وجماعات حماية البيئة والمفكرين الإنسانيين والمبدعين في مختلف أشكال الفنون والآداب، وهي جماعات لا يستهان بها، وسينمو دورها بأسرع مما يتخيل الجميع، تعبيرا عن غريزة البقاء، في مقابل ثقافة الحرب التي تسعى لإرضاء تعطشها للدماء بإبادتنا جميعاً.