تقدم لنا التعليقات والبحوث الأكاديمية حول الدول الإفريقية صورة مختلطة من غير ريب، ومع ذلك، سواء كانت استنتاجاتها مبهجة أو قاتمة، فإنها تميل إلى تقاسم النهج غير التاريخي ذاته.

إن إفريقيا المعاصرة نتاج الاستعمار إلى حد كبير، وأيا كان موضوع التركيز- الاقتصاد أو السياسة أو الدين أو الجغرافيا- فسنجد بصمات الاستعمار، ومن الأمثلة الواضحة هنا ممارسة الديمقراطية في إفريقيا، فرغم كل إمكاناته الواعدة، ناضل الحكم الديمقراطي لتحقيق الآمال في أغلب البلدان الإفريقية.

Ad

أحد الأسباب وراء ذلك هو أن الديمقراطية متأصلة في المبادئ (الحرية، والفردانية، والتضامن، والمساواة) التي قد تعني أمورا مختلفة في سياقات مختلفة، وتميل التفضيلات، والقيم، والمعتقدات المترسخة إلى إرشاد الممارسات والسياسات التي من خلالها يجري تفعيل الديمقراطية ذاتها، وعلى هذا فإن الديمقراطية، كمجموعة متجسدة من الممارسات والسياسات، يمكن تشبيهها بالتكنولوجيا.

كل التكنولوجيات يمكن استخدامها لتحقيق أغراض متفاوتة إلى حد كبير، فالقلم يمكن استخدامه كأداة كتابة أو سلاح، والسكين يمكن استخدامه لتقطيع الخضراوات أو المشاركة في قتال شوارع، لكن هذا لا يعني أن التكنولوجيا محايدة أخلاقيا، بل على العكس من ذلك، يمكن التعرف على أخلاقياتها من خلال وظائفها، ولهذا السبب، من الممكن أن نتحدث عن الاستخدامات المناسبة وغير المناسبة للتكنولوجيات، ولا توجد تكنولوجيا مستقلة عن العالم الاجتماعي، فكل منها آت من مكان ما.

على نحو مماثل، تمتد جذور الديمقراطية إلى مكان بعينه أو تقليد أو ثقافة، ولتحويلها من سياق إلى آخر، يجب أن يتعرف المرء على تقاليد وثقافات المكان الذي نرغب في نقلها إليه، ولأن هذا لم يحدث في أغلب البلدان الإفريقية، فقد تحولت الديمقراطية إلى سلاح تستخدمه النخب والرجال الأقوياء لقمع الضعفاء، بدلا من كونها نظاما لحماية الحقوق ومحاسبة القادة.

يميل تراث المؤسسات الاستعمارية في إفريقيا إلى قمع ممارسات الشعوب الأصلية، والعديد من المجتمعات الإفريقية لديها طرائقها الخاصة لأداء الأمور، من إدارة الأسرة إلى تنسيق الحياة الاقتصادية والسياسية، ولا تزال أغلبها تعمل أيضا كمجموعات عِرقية يبني أعضاؤها هوياتهم على دلالات لغوية وثقافية مشتركة، ولكن بعد تفتيت إفريقيا في ظل الاستعمار، أُعيد تشكيل هذه المجتمعات التقليدية، في أغلب الحالات، على هيئة وحدات سياسية تفتقر إلى أي مصدر للهوية، ولا عجب أن العديد من هذه المجتمعات ما زالت تكافح لكي تصبح دولا قومية عاملة.

أصبحت الحدود الجغرافية التي فُرِضَت لأسباب اقتصادية وسياسية حقائق راسخة منذ ذلك الحين، وعندما تنشأ حركات تنادي بتقرير المصير، فإنها تُـقمَع عادة- بعنف أحيانا- ويتهم قادتها بجريمة الخيانة (وهي في حد ذاتها أداة استعمارية).

بمرور الوقت، تحولت الحدود الجغرافية المصطنعة إلى حدود نفسية أيضا، ومنذ ذلك الحين، بدأ الناس الذين جرى تقسيمهم بموجب هذه الحدود إلى دول مختلفة، بعد أن كانوا من قبل يتشاركون هوية عِرقية واحدة، يرون أنفسهم كأناس مختلفين. فرغم اشتراك جنوب إفريقيا في بعض المجموعات العِرقية مع زيمبابوي وموزمبيق وناميبيا المجاورة، فإنها الآن تعتبر مواطني هذه الدول أجانب وأغرابا. لكن هذه الديناميكية تعمل في كلا الاتجاهين، فقد واصلت مجموعة الهاوسا فولانيس العِرقية عبر دول إفريقيا في منطقة الساحل التأكيد على هويتها المشتركة بصرف النظر عن الحدود الوطنية، ومع ذلك، أصبح هذا التماسك ذاته مصدرا للتوترات، بقدر ما يغذي الشكوك بين المجموعات الأخرى التي تعيش داخل هذه الدول المصطنعة.

لا يزال هذا التأكيد الذي دام طويلا على الحدود الاستعمارية، على حساب المجموعات العِرقية التقليدية عادة، يوجه السياسات والعلاقات الدولية حتى يومنا هذا، فكثيرا ما تفكر وتعمل المؤسسات المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة، في إطار الحدود الاستعمارية الضيقة، ويصدق القول نفسه على الإدارة الاقتصادية والتنسيق عبر الحدود: فكل القرارات تستند إلى مصالح "وطنية"، والتي تقوم ذاتها على الموروثات والعلاقات الاستعمارية. وعلى الرغم من هوياتهم العِرقية المشتركة، فإن الناطقين باللغة الإنكليزية والناطقين باللغة الفرنسية في غرب إفريقيا يتصادمون في كثير من الأحيان حول مسائل اقتصادية وسياسية.

ولكن حتى خارج نطاق الاقتصاد والسياسة، تميل الدراسات الأكاديمية التي تتناول إفريقيا إلى الالتزام بما يسميه عالما الاجتماع أندرياس فيمر ونينا جليك شيلر "القومية المنهجية": تطبيع الدولة القومية ورؤية مفادها أن الدول عبارة عن وحدات طبيعية للدراسات المقارنة. وعلى نطاق واسع، جرى تبني هذا النهج، الذي يفترض ببساطة أن الدولة القومية تمثل مجتمعا متماسكا، بما في ذلك من خلال مستشارين مأجورين في الإدارة. على سبيل المثال، ساعدت "رؤى هوفشتاد"، التي استنبطت من أعمال عالِم النفس الاجتماعي الهولندي خيرت هوفشتاد، في إضفاء الطابع السلعي على القومية في تقديم المشورة للعملاء حول كيفية الإبحار عبر ثقافات بلدان بعينها.

تتمثل إحدى النتائج المباشرة لأدب "الثقافة الوطنية" في الأدبيات التي تتناول المؤسسات الوطنية، وخاصة "أنماط الرأسمالية المتعددة". المغزى الضمني هنا أن الرأسمالية، كممارسة، تختلف وفقا للتكوينات المؤسسية للدول القومية. ولكن مرة أخرى، تنزلق هذه المنطقة بالكامل من الدراسة إلى فخ القومية المنهجية. إذ يُفتَرَض التماسك الوطني ببساطة، على الرغم من حقيقة مفادها أن العديد من المجتمعات المنفصلة يمكنها أن تتعايش ضمن حدود الدولة القومية.

كل من يستكشف الأدبيات الأكاديمية اليوم سيجد دراسات تركز على ممارسات تنظيمية وأنظمة اقتصادية بعينها داخل بلدان إفريقية مختلفة. وكل منها موجه نحو شرح أي دولة من خلال عدسة الثقافة والمؤسسات "الوطنية"، وهي بالتالي تسلم بالحدود الاستعمارية كحقيقة مسلم بها، ولكن لأن هذه الحدود رُسِمَت غالبا بشكل بالغ السوء واستندت إلى مصالح وأولويات خارجية، فيتعين على المرء أن يتساءل حول مدى جدارة هذه النتائج بالثقة.

في النهاية، البلدان الإفريقية ليست متجانسة، ويتعين على الأكاديميين من ذوي المصالح في القارة أن يفكروا بشكل أكثر انتقادية في الثقافات والمؤسسات الإفريقية، وحول تعين الحدود العِرقية التقليدية التي تسبق الحدود والترتيبات السياسية القائمة اليوم. ومن المرجح أن يسفر نهج مصوغ بشكل أكثر دقة وعناية عن رؤى جديدة قيمة حول الصعوبات المتصلة بالحوكمة، والقيادة، والإدارة في مختلف أنحاء القارة، وقد لا يكون الأمر على القدر نفسه من سهولة المنهجية الحالية، لكن يتعين على الباحثين الأفارقة والباحثين الذين يتناولون إفريقيا بالدراسة أن يتعاملوا معها على أنها مشروع يستحق السعي إلى إقامته.

*كينيث أميشي محلل السياسات وأستاذ إدارة الأعمال والتنمية المستدامة في جامعة إدنبرة.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»