كتبتُ خلال الفترة الماضية مقالين حول معرض الكويت الدولي للكتاب؛ الأول بعنوان: "معرض الكويت للكتاب معافى" بتاريخ 6 نوفمبر، والثاني بعنوان: "تظاهرات معارض الكتب" بتاريخ 20 نوفمبر. وفي كلا المقالين، تمنيت أن يأتي معرض الكويت للكتاب لهذا العام مختلفاً، وتحديداً فيما يخص طوق الرقابة المفروضة عليه. وأشرت بشكل صريح إلى أننا نعيش في لحظة كونية منفلتة على كل الأصعدة، ومعها صارت الرقابة تمثل شيئاً من مخلفات الماضي، وكيف أن أي قارئ يستطيع الوصول إلى أي كتاب في ظرف 48 ساعة من متاجر الفضاء المفتوحة طوال العام بكل مكان. وأكدت رفض الأعمال التي تسيء للذات الإلهية أو الأديان أو الذات الأميرية، أو تطعن في الوحدة الوطنية بشكل بشع.

مع انطلاق الدورة الـ 44 لمعرض الكويت الدولي للكتاب حضرت حفل الافتتاح، ورحت أتنقل بين دار نشر وأخرى، لأستعلم بشكل ودي عن المنع، وكيف كان قياساً بالسنوات الماضية. شعرت بشيء من فرح وأنا أسمع من الناشرين الكويتيين والعرب أن الرقابة موجودة، لكنها ما عادت بطوقها الحديدي السابق، وأن هناك فرقاً بين هذه السنة والسنة الماضية. وهكذا تكررت زياراتي للمعرض، بحُكم اهتمامي بالكتاب أولاً، وبالنشاط الثقافي المصاحب للمعرض من جهة ثانية. وهنا لابد لي من القول إن النشاط الثقافي المصاحب للمعرض، والذي تقدمه المنصات الشبابية الأهلية، كان حاضراً وكبيراً ومؤثراً، ولقد استأثر بجمهور كبير ملأ أركان المنصات الخاصة، وكان نداً جميلاً للنشاط الثقافي الذي يعدّه ويشرف عليه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المنظم الأساسي لجميع ما يدور في المعرض.

Ad

إن ظاهرة كويتية، وربما خليجية وعربية، بدت واضحة في معارض الكتب، وهي أن جل جمهور المعارض من فئة الشباب. وأنا هنا أتكلم على مستوى: الكاتب؛ سواء كان شاعرا أو قاصا أو روائيا أو مسرحيا أو مؤرخا، وعلى مستوى الناشر؛ المحلي والخليجي والعربي، وعلى مستوى جمهور التلقي. فمعظم جماهير معارض الكتب العربية من فئة الشباب، وهذا مؤشر يثلج الصدر، كونه يقول إن الشعوب العربية، ورغم الظروف الصعبة التي تعيشها، وتتمرَّد عليها، وقد تدفع عمرها الغالي ثمناً لها، لكنها حاضرة بكثافة في معارض الكتب، وهذه دلالة كبيرة على وعي هذه الشعوب، وأنها تسير إلى القراءة والفكر والإبداع والفن.

إن معارض الكتب في الوطن العربي تدحض تماماً ما يُقال عن أن الشعوب العربية لا تقرأ، ومؤكد نحن بحاجة لمسح جديد، حول ظاهرة القراءة في الأوطان العربية. فصحيح أن هناك نسب أمية، وصحيح أن الظرف المحلي لبعض شعوب المنطقة ظرف قاهر وعدواني وقاتل، وصحيح أن شعوبا عربية كثيرة تقدم تضحيات مؤلمة، لكن الصحيح أيضاً أن شباب هذه الأمة باتوا قريبين من الفكر والقراءة والكتابة، وأن علاقتهم بالقراءة والكتابة ما عادت شأناً عابراً، بل إن مجاميع كبيرة من شباب الأمة صارت تعيش هم القراءة والكتابة طوال وقتها، وصار عدد كبير من هؤلاء الشباب يحلم بأن يكون كاتباً مشهوراً، وهذا حلم مشروع، وحلم جميل، وحلم يستحق التضحية من أجله. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الجوائز العربية، والخليجية تحديداً، لعبت دوراً إيجابياً في خلق هذا الحلم، ودوراً في مستوى المردود المادي لها، ودوراً في تقديم وتلميع الكاتب العربي، ودوراً في تقديم أعمال بلغات أخرى إلى جمهور مختلف. ورغم وجود هنات وأقاويل هنا وهناك عن الجوائز العربية، فإنني أردد دائماً أن كل جائزة عربية هي فعل خير، ومبادرة خير، للكاتب والناشر وجمهور القراءة، وهي بذلك فعل خير اجتماعي بامتياز. وتالياً تأتي قضية التمني، بأن تكون الجائزة العربية شفافة ونزيهة وموضوعية في قراراتها، وأن تنصف مَن يستحق الإنصاف، وربما هذا جزء أساسي من مهمة منتدى الجوائز العربية، الذي انطلق منذ قرابة السنة، وأحد أهم أهدافه خلق حالة من التعاون بين جائزة عربية وأخرى، بحيث تكون الشفافية والمعايير الفنية حكماً عدلاً في الجائزة العربية.

معرض الكويت الدولي للكتاب جاء هذا العام مختلفاً، وإذا كنا نرفع صوتنا لنشير إلى السلبية، فإن الواجب يحتم علينا أن نقول كلمة الصدق الإيجابية متى وجب ذلك.