مرة أخرى كشفت عمليات الاغتيال، والهجمات الوحشية الإسرائيلية على قطاع غزة، واستخدام نتنياهو وغانتس دماء الفلسطينيين وقوداً لأغراضهما الانتخابية، طبيعة الوضع القائم في الصراع الوجودي الدائر بين الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل والشعب الفلسطيني. وتؤكد ذلك عمليات البطش الجارية في الضفة الغربية بما في ذلك القتل الإجرامي دون سبب للفلسطينيين، والتوسع الاستيطاني المستعر، والاعتداءات المتصاعدة على المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، وعلى البلدات المقدسية كالعيسوية وسلوان. كما تظهر عملية تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى جيتوستانات والنوايا المعلنة لنتنياهو ومنافسه غانتس نية ضم الأغوار، وإبقاء كل الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كل ذلك يؤكد حقائق لا يستطيع أحد أن يتجاوزها، ويجب أن تكون مفهومة لكل فلسطيني وفلسطينية:

الحقيقة الأولى، لسنا في مرحلة حل مع الحركة الصهيونية، بل نحن في مرحلة كفاح ونضال دفاعاً ليس عن حقوقنا فقط، بل عن وجودنا.

Ad

الحقيقة الثانية، لا وجود لعملية سلام، فقد قتلها نتنياهو.

الحقيقة الثالثة، أن الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية أصبحت عبئاً خطيراً على الجانب الفلسطيني، وهي لم تعد تلزم الجانب الإسرائيلي بأي شيء.

الحقيقة الرابعة، لم يعد هناك وجود لما يسمى مناطق (أ) المصنفة حسب اتفاق أوسلو باعتبارها تحت السيطرة الأمنية الفلسطينية، فقد تحولت بكاملها إلى مناطق (ب) وصارت مستباحة للجيش الإسرائيلي وقتما يشاء وأينما يشاء.

الحقيقة الخامسة، لا يوجد لدى إسرائيل وحكامها أي اعتبار لحقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فقتلهم وجرحهم مباحان دون حساب واعتقالهم إدارياً دون أي اتهام يمارس يومياً.

الحقيقة السادسة، لقد تحول الاحتلال والتطهير العرقي والاستعمار الكولونيالي إلى منظومة أبارتهايد عنصرية كاملة، ضد كل فلسطيني سواء كان مقيماً في أراضي عام 1948، أو في الأراضي المحتلة، أو في الخارج.

الحقيقة السابعة، أن إسرائيل تشن حرباً عالمية إعلامية لتشويه صورة الفلسطينيين، ونضالهم، ولفرض الرواية والرؤية الإسرائيليتين.

الحقيقة الثامنة، والأكثر إيلاما، أن الانقسام الداخلي الفلسطيني يمثل أهم سبب لضعفنا في مواجهة الحركة الصهيونية، وأن الصراع الدائر على "سلطة بلا سلطة" موجودة تحت الاحتلال والانشغال بها، يؤدي دوراً خطيراً في تفكيك الالتزام بالنضالي الوطني، وفي نشوء قاعدة اجتماعية منتفعة من الوضع القائم، ومن الاستقرار الوهمي، ومعارضة لبلورة استراتيجية وطنية جامعة فعالة، موحدة، وبديلة لما فشل. لا يمكن التعاطي مع هذه الحقائق القاطعة، ومواجهة التحديات التي تمثلها دون إدراك ثلاثة أمـــور:

أولا- إننا بحاجة فعلاً إلى حوار وطني جدي بين قوى ومكونات الشعب الفلسطيني للتوافق على استراتيجية وطنية موحدة لخوض النضال في مواجهة الاحتلال، والقمع، والأبارتهايد.

ومثلما لا يحق لأي طرف ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، لا يحق لأحد أيضا رفض مبدأ الشراكة والتشارك، فالعبء كبير، والمسؤولية ضخمة ولا يستطيع أي طرف منفرداً أن ينوء بحملها.

ثانيا- هناك حاجة جدية جداً لإعادة تعبئة الشعب الفلسطيني، وتحديداً الشباب الفلسطيني، بروح الوطنية الصادقة، والوعي الأصيل بالتاريخ، ومهارات الكفاح العصرية والذكية، لخوض النضال من أجل حريتنا.

ثالثا- نحن أيضا بحاجة إلى حملة إعلامية عالمية لمواجهة الرواية والتشويه الإسرائيليين، ولا يمكن النجاح في ذلك دون تنظيم وتعبئة الجاليات والتجمعات الفلسطينية في الخارج وخاصة في دول الغرب. وتنضوي في هذا الإطار جهود تصعيد حملات المقاطعة وفرض العقوبات على منظومة الاحتلال والأبارتهايد.

لن يحل أحد مشاكلنا ما لم نحلها بأنفسنا، ولن ينتبه لقضيتنا أحد في العالم ما لم نشد بأفعالنا ونضالنا انتباهه لنا، ولسنا بحاجة لتأكيد المثل الشعبي "ما حكّ جلدك مثل ظفرك".

كما أن صدقنا مع أنفسنا يتطلب أن نعي أننا لا نملك رفاهية الانتظار، أو الاتكال على مرور الزمن، فالوقت الآن لا يعمل لمصلحتنا، ولن يعمل لمصلحتنا، ما لم نجعل أفعالنا تُغير مساره، وتعيد توجيهه.

كل شهيد وشهيدة ارتقت في قطاع غزة، وكل فلسطيني تم اغتياله أو جرحه، وكل أسير وأسيرة يعاني الأمرّين في سجون الاحتلال، وكل الألم الذي يجتاحنا ونحن نشاهدهم، ونعيش حزن عائلاتهم يجب أن يدفعنا للفعل، ويجعل أعمالنا تسبق أقوالنــا.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية