في المقال السابق وصفنا مباريات كرة القدم بأنها اختصار ممتع للحياة في صورتها المنتظمة التي يحكمها القانون، ولا يفرق بين مشهور ومغمور. لكن وصف مباراة الكرة بأنها اختصار للحياة لهو وصف يحتمل الكثير من الأبعاد، بعضها إيجابي وبعضها سلبي، تماما كالحياة نفسها، ومقال اليوم يركز على بعد سلبي تصوره مباريات كرة القدم للحياة، وكيف يعكس الفرق بين الثقافات التي تدور فيها المباريات.

تزعجني محاولات اللاعبين المستمرة للحصول على ما ليس من حقهم عن طريق التحايل وتمثيل الإصابة، ويزعجني أكثر غضبهم من تطبيق القانون حين يكشف الحكم تحايلهم. فهم بذلك يعطون مثلا قبيحا للشباب في عمر المراهقة عن كيف يمكن أن تتحصل على ماليس لك بالتحايل والادعاء. تجد اللاعب يمثل الإصابة ويطوي جسده بملامح ألم مبالغ فيها، وربما صرخ وأمسك بساقه متدحرجا على أرض الملعب بطريقة تظن معها أن ساقة انكسرت وربما عنقه أيضا، وأنه لابد منقول إلى المشفى لوضعها في جبيرة للأبد. ثم هو ينتفض بسرعة ليلحق الكرة إن شعر أن الحكم لم ينخدع بتمثيليته الرديئة. الأمر المدهش هو أنهم ربما مارسوا الخداع بصورة أكثر وضوحا ليحصلوا على ماليس من حقهم كأن يضعوا الكرة بأيديهم في المرمى كما فعل مارادونا في هدفه الشهير الذي وضعه في مرمى انجلترا بيده أمام عدسات الكاميرات، ثم قال بعدها بوقاحة منقطعة النظير: لقد كانت يد الرب وليست يدي.

Ad

الأمر يشبه الحياة بصورة مدهشة، فالكائن الإنساني لم يزل يستكين للحصول على ماليس له طالما يحقق فائدة، وربما يمارس الادعاء للهروب من المسئولية والحصول على ما ليس من حقه. والأدهى أنه يظل مستمسكا بما حصل عليه بالتحيال مالم يكشفه ظرف أو تحقيق أو تحريات. ثم ستجد المحتال ينكر احتياله لآخر لحظة، مالم تكن الأدلة عليه دامغة واضحة كالشمس. المسألة مرتبطة بتطور الحالة الأخلاقية للبشر، وهو أمر نسبي، فبعض الثقافات استطاعت أن تطور الوازع الأخلاقي لدى أفرادها بأكثر مما فعلت ثقافات أخرى، وهو غالبا تطور مرتبط بأمور مختلفة ومتداخلة بصورة معقدة. فالتطور الأخلاقي مرتبط بأن تكون حاجات الإنسان الأساسية مشبعة من أكل وشرب وأمن وغير ذلك من الأشياء التي لا يمكن للكائن الإنساني أن يتزن إن غابت أو غاب بعضها. لابد لكي تتطور الأخلاق أيضا أن يغيب الخوف من الخيال العام للثقافة، وأن يحل محله ثقة أفراد المجتمع في سيادة القانون وحياده وشموله للكبير قبل الصغير.

فإذا عدنا لنجوم كرة القدم سنجدهم يقدمون نموذجا سيئا للمحتال الذي يقبل بأكل حق غيره، ويسعد بتحقيق النصر وإن بطريقة غير مشروعة. ولأن مباراة كرة القدم كما نفترض هي اختصار نموذجي للحياة وتعبير عن اختلاف الثقافات، سنجد القانون يسعى لمحاصرة تحايل اللاعبين بمزيد من العقوبات التي للمحتال. وهنا أيضا يتفوق بعض الثقافات على بعضها، ففي الدوري الإنجليزي على سبيل المثال هناك تجريم للاحتيال في الملعب حتى إن انطلى الأمر على الحكم، وفي ثقافات أخرى مثل ثقافاتنا العربية يضع اللاعب الكرة بيده في المرمى ثم يسجد لله شكرا، وغالبا يردد في نفسه كلمات مارادونا من أنها إرادة الله. أما جمهور اللاعب المحتال في بلادنا فسيعتبرونها «شطارة» وربما طالبوا بمنح اللاعب جائزة الأوسكار في التمثيل.