شيء ما في التاريخ يعلمك مع تقدم العمر أن هذه المادة ليست لتكملة عدد الحصص كما يعتقد الكثيرون، وأنها للحفظ ولا قيمة لها والزمن يتقدم، ومع سباق السنين تعود بك بعض المواقف إلى تذكر معلمي أو معلمات التاريخ الذين لم يكن بينك وبينهما ود، وهم الذين قالوا لكم إن من لا يعرف تاريخه لن يعرف كيف يعيش واقعه ولا كيف يرسم مستقبله. بقيت تلك العبارات "ترن" في أذنك والشوارع حبلى بالمتظاهرين يرددون هذه المرة "من أين لك هذا؟"، ويريدون المحاسبة، ولن يكتفوا برد شبيه بـ"هذا من فضل ربي"!! كانت هاتان العبارتان أحد دروس مراحل مختلفة من تاريخنا الحافل بأولي الأمر الذين فسدوا واستباحوا الأرض، وآخرين جاؤوا ليعيدوا القيم التي كان من المفترض أن نحافظ عليها، بل نتمسك بها كما حبة رمل ذاك الوطن.

لم تكن عبارات مثل الفساد والمحاسبة والشفافية معروفة حينها، بل كثيرون يعتبرونها الآن دخيلة على القاموس العربي، وقد تسللت له من قواميس متعددة حتى أصبح ترديد "شفافية" أكثر من مرة يعني أنك "عصري" بجدارة! عندها، أي في كتب التاريخ وحكاياته، كانت الكلمات أكثر مباشرة وغير منمقة ولا مغمسة بالشهد. الفاسد هو في الحقيقة سارق وكثيراً من الأحيان هو سارق من بيت المال الذي هو الآن يمكن أن يفسر بكثير من المؤسسات ذات المباني الزجاجية الفخمة، ينظر من خلف بلورها القائمون بملابسهم الأنيقة يتطلعون بالمارة المتعبين من قسوة الأيام، بل من انتشار "الحرامية" بينهم. الحرامية هي الوصف الأدق لما يقوم به كثير من المسؤولين والمعنيين والقائمين على حكوماتنا ومؤسساتنا، بل هم المؤتمنون على المال العام، وهنا لا يمكن إلا أن يكرر المراقب "حاميها حراميها".

Ad

أصبحت سرقة المسؤولين هي جزء من متطلبات الوظيفة، من لا يختلس فلا مكان له بين ذاك الجمع، سمّه ما شئت، ولكنه في نهاية الأمر وكما حدثنا التاريخ "عصابة الحرامية" بعضهم كبار جداً، وآخرون أقل طموحاً أو هم من أولئك الذين يحصدون الفتات. يجلسون عند كعب السلّم أو تحت الطاولة، يجمعون ما يتساقط من هنا وهناك، حتى يصل الداء إلى أصغر موظف أو عامل أو تاجر. عند صغار الموظفين يدفع المواطنون فارق المرتبات المتدنية بشكل أو بآخر، فالدولة مسؤولة عن تكديسهم بمرتبات لا تتلاءم مع تكاليف الحد الأدنى من الأجور أو الكرامة، تلتصق المكاتب وتكتظ الغرف ويتسلل الموظفون وهم يرددون "ساعات العمل على قدر المرتب"! ويتحولون إلى موظفين بالقطعة "يسيّرون" و"يسلّكون" أمور من يشاء بمقابل ما يعتمد على حجم العمل المطلوب إنجازه بعيداً عن الأنظار أو ربما أمام الأعين "عيني عينك"!

ألا تتذكرون ذاك العبقري محمود مرسي في فيلمه الشهير "حد السيف" عندما كان يشغل وظيفة عالية نسبياً، لكن أجرها أقل من طبال عند راقصة درجة خامسة، عندما تمسك بمبادئ كانت قد بدأت تتحول إلى مادة تدرس في كتب التاريخ والأخلاق، ضاق به العيش فلم يكن منه إلا أن استغل موهبته في العزف على القانون وانضم لفرقة الراقصة، لكن تلك الشخصية التي رسمت بعبقرية شديدة انقرضت كما الديناصورات.

كان ذاك الأمير البسيط يُبقي على وزرائه سنين طويلة، كلما غير الجيران والرؤساء الذين يلتقي بهم في ذاك الجمع الذي سمي جامعة لهم! قالوا له ألا يوجد في البلد إلا "هالولد"؟ فيبتسم لهم ويردد حكمته: إذا عينت جدداً فسيبدؤون بالسرقات من جديد، لكن هؤلاء قد شبعوا، كانت لديه الحكمة بفطرة لا تدرس في المدارس أو الجامعات العريقة. لم يكتفِ الشباب برفع صوتهم ومواجهة تلك الوجوه التي كانت حتى الأمس تملأ الكون، وتطغى على شاشات التلفزة وبرامجها السمجة المغرقة في الدعاية الرخيصة، بل توسعوا ليشملوا فيها رجال الدين، من كل دين وطائفة، فكانت المرة الأولى التي يوجه السؤال وتكسر قدسية رجال الدين لا الدين نفسه. أولئك الذين حرّفوا الدين وحولوه إلى وسيلة لنشر خطاب الكراهية أو الخزعبلات أو العنف، وأيضا مصدر رزق حتى أصبحوا من أصحاب الأراضي والعمارات الشاهقة والقصور والذهب، في حين كان الأنبياء، كل الأنبياء، يحثون على التقشف والبساطة، ربما هي الخطوة الأولى للطلاق المطلوب بين الدين والدولة، أو ربما هي الخطوة الأولى التي يؤمن فيها الأفراد بأن علاقتهم بالربّ ليست بحاجة إلى وسيط لا يختلف كثيراً عن صفات التسلط والهيمنة التي تفرضها بعض تلك الأنظمة.

عودوا إلى كتب التاريخ أيضا لتعرفوا ماذا حدث لتلك الإمارات التي انتشرت فيها السرقات وعمّ فيها الفساد، تعلموا ربما يفيد العلم ولو كان متأخراً!

* ينشر بالتزامن مع "الشروق" المصرية