هو قادم من جديد ربيع عربي أم خريف أياً كانت التسمية التي تتحدد حسب القائل، فإذا كان من أهل السلطة والسلطان سمّاه "خريف"، وإذا كان معارضاً للفساد والطغيان فسيصفه بـ "الربيع".

هذه الأيام لا تخلو جريدة أو فصلية شهرية أجنبية، من دون مسح جوخ واللهاث وراء مصلحة أصحابها الملاك، من الكلام عن أوضاع المنطقة (السودان، والجزائر، والعراق، ولبنان) التي ستتغير حتماً، فما جاء بعد "ربيع 2011" هو أنظمة الحكم السابقة التي أرهقت شعوبها بالطغيان والفساد وعممت الفقر، غيّرت هذه الأنظمة جلدها لكن محتواها لم يتغير، فئة محدودة مستفيدة منتفخة جيوبها بالملايين من ثروات الدولة لقربها من السلطة الحاكمة بينما الشعوب تعاني الفقر والجوع.

Ad

في شهرية "فورن أفيرز" نشرت "مهى يحيى" مقالاً في عدد نوفمبر (ترجم بموقع كارنيجي)، قررت فيه أن أمراً أساسياً بعد الربيع السابق قد تغير "... فالحكومات العربية كانت تستند عادة إلى ما يسميه علماء السياسة الصفقة السلطوية، التي توفر الدولة بموجبها الوظائف والأمن والخدمات، في مقابل حصولها من المواطنين على الولاء السياسي. هذه الصفقة استندت إلى الافتراض أن الناس العاديين سيبقون هامدين وساكنين، لكن هذه الفرضية تتداعى الآن...".

وتضيف "فورن أفيرز" أن "أجندة الحرية لم تَسِر كما كان مخططاً لها، فبعد أن أطاحت الولايات المتحدة بالديكتاتور العراقي صدام حسين عام 2003، غرق العراق في لجج من الصراع الأهلي الذي زاوج بين التمرد المناوئ للولايات المتحدة وبين الحرب الإقليمية بالوكالة". كان التصور الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر (تفجير مبنى التجارة) أن التخلف وأنظمة الطغيان هما سبب الإرهاب، فكان لا بد من التغيير، وكان غزو العراق وقبله غزو أفغانستان، لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن الأميركية.

أما الآن بالنسبة "إلى معظم أنظمة الشرق الأوسط، فلم يُسفِر الاقتصاد الأكثر ليبرالية عن فضاء سياسي أكثر ليبرالية. ذلك أن الدول العربية عمدت، كجزء من اندفاعها لتحرير اقتصاداتها، إلى وضع حد أيضاً لضمانات التوظيف وخفض توفير الخدمات العامة، والتعليم والصحة. كل هذا أدى إلى تراجع مستويات المعيشة بين قطاعات واسعة في المنطقة، خصوصاً الطبقة الوسطى...".

هذا يعني أن وصفة الربيع العربي القادم كاملة الآن، فالأنظمة العربية نست حكمة علي عبدالله صالح، "إن لم نحلق رؤوسنا بأيدينا فسيحلقها لنا الغير"، وللمفارقة حلقت حرب اليمن رقبته من جذورها. هذه المرة الشعوب ستحلق رؤوساً كثيرة لكل نظام يرفض سُنة التغيير والتبديل، قانون الوجود أن نتأقلم ونتطور مع التغيرات، وكلما عاندت هذه الأنظمة هذا القانون زادت أنهار الدماء والشقاء، ويبقى التغيير حتمياً في النهاية.