• كيف تولد القصيدة في يدك ووجدانك؟ وكيف تتحكم الحالة المزاجية في أجواء النص؟

- غير خاف، ان القصيدة لا تولد من عدم؛ بل تأتي من تشابك ما، وبعبارة أدق من تماس الذات كحمولة، ومن مقروء وتجربة، والعالم كمربعات خانقة أو ما يُسمى بالسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا يدل على أن الشاعر في مواجهة شبه يومية مع ما يجري، من خلال طرح السؤال الذي أحمله في عيني وقلبي وسمعي: ماذا لو كانت الأشياء بشكل آخر؟ في هذه الحالة، أكتب النص دوماً بين مطمحين، أن أتفاعل مع ما يحدث، محاولاً فهم المتحكم فيه، في أفق ما ينبغي أن يكون في الاحتمال، وبين مطمح الشعرية والآليات الجمالية، بحثاً في هذا السياق عن موقع وإقامة خاصة في الكتابة. هو هذا قلقي الذي يتخذ حلة نصية ما.

Ad

ذات مرة

• أيكما يكتب الآخر، أنت أم القصيدة؟

- لا مجال للمصادفة في الكتابة، إما أن نكون أو لا نكون، مثلما قال درويش ذات مرة، لهذا لا أستسيغ الكلام الذي يقول إن القصيدة هي التي تكتبني، بل نحن معا (أنا والقصيدة) في آن واحد. بمعنى آخر أوضح، أكتب نصي على مرأى من الشعر، وهنا تتضاعف المهمة، أي البحث عن موطن وإقامة خاصة في الشعر وبه، ولابد، إذن، من جهد وعرق، لتولد القصيدة كوجود يرى ويتموقع.

التدبير والتسيير

• ما القضايا الرئيسية التي تنطلق منها في قصائدك؟

- ما يشغلني، هو الإنسان الذاهب بسرعة لحتفه، أتأمل على ضوء حمولتي الحروب والتناقضات الصارخة في التدبير والتسيير، أتأمل في الفوارق والهوات... إلخ، بل أتأمل وضع الشعر- ضمن هذا اللغط المتهيكل - الذي غدا مطارداً ومحاصراً، فالشعر هنا يتمثل في تلك الطاقة الهائلة وغير المنتهية في العمق، والتي تمتص الأشياء الجريحة وتعيدها في بناء آخر كقطعة ترقب العالم من نقطة ما، على حس دقيق بالمرحلة.

المتنبي وأبونواس

• ثمة شعراء صنعت شهرتهم الجوائز وآخرون عرفتهم الأضواء بسبب انضوائهم تحت مؤسسة ثقافية، كيف تحققت شهرتك؟

- الحديث هنا متشعب، قديماً الشعراء نحتوا أسماءهم بالنص وقوته الجمالية، فأصبح ذاك المنجز سارياً في الزمان والمكان الإنساني، وليس الجغرافي والتاريخي فحسب، فالمتنبي وأبونواس وطرفة والمعري لم ينتموا إلى مؤسسات أو تكتلات، بل كان الانتماء إلى المرحلة والشعر، لكن حديثاً تعددت الأسماء التي تترسخ بالأضواء المؤسساتية والإعلامية، طبعاً مؤسسات معطوبة بحكم العلاقات أو التبعية المقنعة لهيئات أو جهات، أو مؤسسات تقع تحت طائلة تضخم الأنا، وفي المقابل يضيع النص بالمعنى الإبداعي والجمالي، ويبقى الشخص عاضاً على ذاته التي لا ذات لها حقاً، وقد يتغذى ذلك من ضعف المقروئية وهندسة المشاهد (الثقافية والإعلامية)، لهذا نحن بحاجة إلى إعادة النظر في العديد من الحقائق المفبركة، وبالنسبة إليّ لا أذهب لمؤسسة أو منبر لأجل غاية أو مأرب آن ومادي، بل أسعى إلى نحت مساحة إبداعية تطوي على جهد، وتنتمي بقوة للكتابة أولاً وأخيراً.

حضوري متواصل

• منذ عام 2014، لم تصدر كتاباً جديداً... فما السبب؟

- بالفعل، ولكن حضوري متواصل في الصحافة والإعلام الثقافي هنا وهناك، ومن جهة أخرى، فإن مفهوم الكتاب تغير عندي نوعاً ما، فليس الكتاب، كما هو سائد، تجميعا لنصوص أو مقالات لا رابط فيها، ولابد من وحدة عضوية وطريقة في الاشتغال، ولا يتأتي ذلك إلا من خلال حضور قلق يراكم الأسئلة والقلق الذي يساهم في التقويض والبناء، بدلا من مراكمة الأغلفة دون اشتغال أو أفق، ولهذا، فكل ديوان ينبغي أن ينهض على تيمة وسؤال، كما أن أزمة القراءة ولو بين صفوف المبدعين الأشباه وطغيان الاهتمام الادعائي بالثقافي، وكل هذا الرقود يجعلني أحياناً أحس بلا جدوى الكتابة، ضمن بيئات مجففة.

نشر الإبداع

• المبدع العربي والسوشيال ميديا، كيف ترى هذه العلاقة؟

- لا يمكن التنكر الآن لمواقع التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا»، والوسائط الإلكترونية عموماً في احتضان ونشر الإبداع في شكله المتعدد، وهي بذلك تسهم في انتشار الأدب على نطاق واسع. وبهذا يمكن اعتماد هذه الآليات في التواصل المتسم بالسرعة والنجاعة، لكن من حيث الجوهر، فبدون الاهتمام بالنص في أصله، لا يمكن للواقع الافتراضي أن يضيف إليه، وفي هذا السياق، يبدو لي أن المبدع العربي لم ينخرط بالشكل المطلوب أي أن يكون فاعلا ومؤثرا في المشهد العام، انتصارا للثقافي والأدبي، وفي نفس الآن أسجل حضور كتاب عرب بشكل دؤوب، تحولت معهم هذه الوسائط إلى نوافذ اتصالية وتواصلية، وشخصياً تحقق لي شرط الفائدة والمتعة والاطلاع بشكل واسع، متمنيا الانخراط الجماعي للمبدعين العرب دون استسهال وغياب مفهوم النص، أي حضور الشخص دون نص.

مقالات صغيرة

• ما المشروع الأدبي الذي تعكف عليه حالياً؟

- أحب هذه الكلمة «المشروع» التي تدل على طريقة في الاشتغال ذات رؤية، بالفعل أشتغل حالياً على كتابين، كتاب يضم مقالات صغيرة، أؤسس من خلالها لبعض الخصائص في كتابة العمود الصحافي، أو بتعبير آخر حضور ما هو أدبي في الصحافة، مسايراً لخصوصيتها، ومتمسكاً بجوهر الأدب من حيت اللغة والبناء والتخييل، دون الذوبان في الجري الصحافي، والكتاب الثاني ديوان شعري ينهض على تيمة واحدة، في خلق جدلية بين النصوص، تؤسس لخصوصية شعرية.