نعيش في الكويت منذ فترة عملياً حالة "الهون أبرك ما يكون"، وهي عبارة حق، لكنها تُستخدم في الوقت الراهن في غير محلها، ولَك إن شئت أن تقول إنها عبارة حق أُريدَ بها باطل أو التهرب والتبرير.

لقد أُرهِقت الدولة وتآكلت سلطاتها ومؤسساتها وثرواتها، والكثير من الناس يرددون تلك العبارة "المضللة"، لقد نجحت حالة التخندق الفئوي والقبلي والطائفي والحزبي، على حساب الوطن والمصلحة العامة، والناس أيضاً يرددون نفس العبارة بكل أسف، بل تم اقتسام البلد، وتم العبث بجنسيته، وتم نهب ثرواته وتصفية أموال مؤسساته وبدأ المال السياسي ينخر قيم الأمانة والنزاهة والحس الوطني وبقية الأخلاق الفاضلة، ومازالت تلك العبارة ذاتها تتردد.

Ad

إن ما يجري قد بلغ مرحلة غير مسبوقة وبات علة مستمرة لتداعي البلد وقرب انهياره، ولغة التريث والتبرير والتهوين والتساهل والمجاملة هي الطاغية والمهيمنة.

أما الدستور فتم تعطيل أحكامه واقعياً بمخالفات صارخة وعديدة على مستوى كل المؤسسات، بل صار موضعاً للمنافسة في هدره وانتهاك أحكامه على المستوى الرسمي والحكومي والبرلماني.

والمال العام صار مستباحاً بأنماط وممارسات عديدة على جميع المستويات، وأصبح المال المنهوب منه هو المال السياسي الذي يفسد الذمم ويغير الولاءات، بعد أن أصبحت بضاعة تباع وتشترى في مزادات مدمرة للبلد، وتلوثت ذمم وزراء وانكشفت ذمم أعضاء، وتضاعفت سرقات المسؤولين وتوسعت العمولات التي يتم اقتسامها بين المتنفذين.

وسُلِبت إرادة مجلس الأمة وتحول من سلطة تشريع ومراقبة ومنبر للنزاهة والوطنية ليصبح مكاناً لسلق القوانين وتفصيلها على مقاسات مشبوهة، وصار المجلس الرقيب بحاجة ملحة إلى المراقبة والمحاسبة لأنه صار مصدراً للعبث، وأصبح منصة للمزايدات والوعود والخطب الكاذبة ومات الحس الوطني.

وتعرضت الهوية الوطنية لأكبر ممارسات التشويه بالتجنيس العبثي والانتفاعي لشراء ولاءات أو بسبب صراعات انتخابية وتم توظيف التجنيس أداة للتكسب السياسي والمالي حتى طفحت على السطح ملفات تزوير عديدة، منها ما فيه ازدواج مخل بالوطن، وتولى المسؤوليات وعضوية البرلمان أعداد غير قليلة ممن هم دخلاء على الوطن، وتلمس ذلك من نمط تصريحاتهم ومسلكهم اللذين لا يمتان إلى مصلحة الوطن بصلة.

وتردت أحوال البلاد والنَّاس، ونُخِرت كل المؤسسات وتعطلت الخدمات وتدهورت، في كل النواحي تجارياً وصحياً وتعليمياً وثقافياً ورياضياً ومن ناحية البنى التحتية، ولا عزاء للوطن أو للمواطن.

ورغم كل ذلك مازال شعار "الهون أبرك ما يكون" قائماً، وهو بكل أسف ما يقود البلد إلى حافة الانهيار، وهو ما حل بدول ماضية كما يحدثنا ابن خلدون في مقدمته.