يأبى هذا العقد الذي انطلق بـ«ثورة البوعزيزي» التونسية في أواخر عام 2010 أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قبل أن ينقل عدوى الانتفاضات الشعبية إلى ما تبقى من دول عربية سلمت من براثنه إلى الآن، فها هو لبنان يلتحق بالعراق ليكملا سلسلة التحركات الشعبية التي تنقلت بين تونس ومصر وسورية وليبيا والجزائر والسودان وغيرها من الدول.

نتائج هذا «الربيع الشعبي» تفاوتت بين دولة عربية وأخرى؛ فمنها من انتقل من نظام سياسي سيئ الى أفضل، ومنها من تلاطمت على أرضه أمواج الدماء التي استبعدت أي حلم بتغيير جذري، ومنها من انتقل من نظام الدولة الى نظام الميليشيات، ومنها من يعسّ التغيير فيه كما تعس النيران في الحطب الأخضر.

Ad

ما يحصل في لبنان من تحركات شعبية له خصوصية تشبه الى حد بعيد وقد تتطابق مع خصوصية النظام السياسي والاجتماعي في هذا البلد المنفتح على جميع الثقافات والاحتمالات، والمنغلق على أي تغيير جذري في تركيبته المعقدة.

ظن البعض وروّج أن هذا الحراك الشعبي ما هو إلا فورة غضب من فكرة قرار بفرض رسوم على الاتصالات من خلال شبكة الإنترنت، في حين دافع البعض الآخر عن ثورة رفع الشعب قبضتها وردد «الثوار» شعاراتها طالبين «إسقاط النظام» حيناً وكارهين معظم السياسيين دائماً.

الحقيقة أن الانتفاضة الشعبية اللبنانية هي أكبر من فورة وأصغر من ثورة؛ فهي صرخة شعب مقهور ضاق ذرعاً بالنظام الطائفي والفساد المستشري والرهانات الخاطئة والإخفاقات المتراكمة والسياسات المالية والضريبية القاتلة، وبالمقابل لم تبلغ هذه الانتفاضة حد الثورة لغياب القيادة وتعدد المطالب وعدم وضوح المسار، وتشتت الأهداف واستحالة تحقيق بعضها، على الأقل في المدى المنظور.

المريع في هذه الانتفاضة الشعبية أن جميع خطباء المنابر من سياسيين وقادة أحزاب وزعماء طوائف اعتبروا أنفسهم معنيين بمطالب «الثوار»، واعترفوا بجزء من المسؤولية، لكنهم في الوقت نفسه، ورغم خلافاتهم الحادة، تكاتفوا وتضافروا بوجه أي تغيير قد يطول مكتسباتهم أو يضر بمصالحهم الشخصية والطائفية.

إنها باختصار قاعدة تقاسم المغانم وتحالف المال والسلطة! وإن من تتملكه شهوة السطوة ومن ينتشي بلذة المال قد يصعب عليه حتى التفكير في تجنبهما، رغم كل العواقب.

لقد تقاذف أولو الأمر في الحكم كرة المسؤولية، لكنهم لعبوا كفريق واحد ضد انتفاضة شعبية سخّفوها حيناً وتجاهلوها أحياناً، ورموها بأفظع أنواع الاتهامات في مجمل الأحيان، حيث روج إعلامهم أنها بيعت «للسفارات» أو هي صنيعتها، وأنها ستؤدي في حال استمرارها الى الإضرار بمصالح الوطن، وستفتح بوجه لبنان أبواب الانهيار الاقتصادي والمالي الوشيك.

وقد نسوا أو تناسوا أن معظم الشعب، المنتفض ضدهم أو المؤيد لهم، يرى بوضوح تبعيتهم للخارج ويتألم يومياً من تقديم مصالحهم على مصلحة الوطن والناس، ويحملهم بجلاء مسؤولية أي انهيار قد حصل أو سيحصل في لبنان بسبب تراكم سرقاتهم وإخفاق سياساتهم وسوء قراراتهم وتقاسم أرباح صفقاتهم وتكسّبهم من المال العام، ومن عرق جبين الفقراء والبسطاء والمساكين.

البحث في أسباب الأزمات اللبنانية المتكررة والمتواصلة وتحديد مبررات الانتفاضة الشعبية موضوع قد يطول الغوص فيه دون النجاح في الإلمام بكل تفاصيله، ولكن عنوان هذه الانتفاضة الشعبية واضح ولا يلزم المرء بعناء الملاحظة أن الشعب اللبناني قد ملّ من إخفاقات هذه الطبقة السياسية الفاشلة والفاسدة التي حكمت وتحكم، على اختلاف أحزابها وتياراتها ومكوناتها، باتباع سياسة تخويف الجماعات من بعضها بعضا وفق مبدأ «فرق تسد» ؛ فقد صار راسخاً في الوجدان الشعبي أن حماية الفرد ومصلحة الطائفة وحق التوظيف والرعاية الصحية وغيرها من الحقوق البدهية لن يتم تأمينها للبناني، تابعاً أو حرّاً، إلا من خلال «أمراء» الحرب و»زعماء» السلم وبرضاهم منفردين ومجتمعين. ومن هنا جاء شعار المنتفضين «كلن يعني كلن» مطالبين كل الطبقة السياسية بالتنحي تمهيداً لمحاكمة المتورطين منها شعبياً وقضائياً.

هذا الشعار الرومانسي للانتفاضة هو حلم قد يصعب تحقيقه في القريب العاجل، فاستبدال هذا النظام الطائفي سيحتاج حتماً لآليات ديمقراطية وانتخابية تملك السلطة الفاسدة نفسها كل زمام أمورها، أو قد يتطلب انقلاباً عسكرياً قد يصعب أو يستحيل حدوثه في لبنان، كما أن أي نية للتغيير العنيف من خلال قبضات «الثوار» سيواجه حتماً بمأزق «الشارع مقابل الشارع»، مما يعني مزيداً من الدماء والخراب والانقسامات بين مكونات الشعب اللبناني على حساب بقاء السلطة بيد المتحكمين فيها.

فماذا حققت هذه الانتفاضة؟ وما مصير لبنان بعدها؟ الواقع أن انتفاضة «17 أكتوبر» اللبنانية قد سجّلت عدة انتصارات مرئية وغير مرئية، كما أنها كرّست بعض المفاهيم التي تشبه خصوصية لبنان إيجابياً وسلبياً.

يسجّل بداية للسلطة اللبنانية بمختلف أحزابها ومكوناتها أنها لم تنجرّ، بخلاف بعض الحالات المنفردة، الى مواجهة الشارع المنتفض بالعنف العسكري أو في الشارع المقابل، وهذا نتاج مهم للحالة الديمقراطية وللخصوصية اللبنانية التي تفرض نفسها على الوجدان السياسي والشعبي في هذه الدولة التي عانت ما عانته من انقسامات وحروب، ناهيك عن أن كتلة الناس المنتفضة، مهما اختلفوا بإحصاء حجمها وعدد أفرادها، هي أكبر من أن تشتت وأقوى من أن تفرّق بطريقة قد لا يستطيع تحمل عواقبها أي مسؤول. وعليه، فقد دخلت السلطة في لعبة الانتظار وعض الأصابع؛ فها هي تراهن على تعب الناس داعية إياهم لفتح الطرقات تحت طائلة الانهيار الاقتصادي وخطر الشلل في مرافق الدولة الرئيسة، كما أنها تصلّي صلاة استسقاء إذ ربما يستطيع البرد القارس أن يطفئ حماسة الناس، وربما تستطيع العواصف الهوجاء أن تشتت الجموع التي عجزت السلطة عن تفريقها لاعتبارات وأسباب صارت معروفة.

من ناحية أخرى فقد اتضح أكثر وأكثر مدى الانقسام العمودي بين مكونات السلطة وهشاشة تحالفاتها، كما اتضح الانقسام الأفقي بين طبقة السلطة الفاسدة وبين السواد الأكبر من الشعب الذي تتلاشى فيه الطبقة الوسطى يوماً بعد يوم.

ومن غرائب هذه الانتفاضة أن معظم الطبقة السياسية بما تضم من مؤيدين أو معارضين لرئيس الحكومة اللبنانية «سعد الحريري» غير قادرة على الاستغناء عن وجوده على رأس السلطة التنفيذية كوجه مقبول دولياً وإقليمياً، وكمسؤول قادر على محاورة أصحاب القرار في المحافل الاقتصادية والمالية والدول المانحة. فها هو أمين عام «حزب الله» الأقوى عديداً وعتاداً والأقدر على فرض إرادته شعبياً وسياسياً يطلّ مرتين متتاليتين أثناء فترة الحراك الشعبي ليعلن أمام الملأ أنه متمسك بالحكومة وداعم للعهد رغم كل خلافاته أو ملاحظاته عليهما!

الحقيقة أن هذا التكاتف السياسي الجامع والمستغرب لا يأتي بالطبع من براءة سياسية ولا تفرضه حتى متطلبات الضرورة، كما أن مبرراته أعمق مما يروجه شركاء الحكم على أنه من قبيل تلافي الانهيار الاقتصادي. إنها الهدنة التي تنتظر أقرب فرصة لانقضاض بعضهم على بعض، وتكريس انتصار محور على محور، وإنه الأمل والتخطيط للانقلاب على مناصفة «الطائف» وثوابت «الدستور» في رهانات متناقضة يتبناها أكثر من طرف وفق أجندته الخاصة.

صحيح أن الانتفاضة الشعبية فشلت وقد تفشل في تحقيق حلمها الأسمى في تغيير النظام الفاسد والفاشل، وصحيح أن جلّ ما تصبو إليه وستحققه هو استقالة الحكومة العاجزة والمنقسمة على نفسها، ولكن صوت الناس فرض إيقاعه على قرارات أهل السلطة، ونجحت الجموع في تحريك المياه الراكدة منذ أكثر من أربعة عقود، فها هي سلة الإصلاحات التي وعدت بها الحكومة تخرج الى العلن الأمر الذي كان يسهل تحقيقه بعدة قرارات بسيطة لم يفكّر ولم يسع أهل الحل والربط لاتخاذها خشية أن تضر أياً من مكونات السلطة أو أن تمس مصالحهم المالية والشعبية.

لبنان ما بعد انتفاضة «17 أكتوبر» سيكون أفضل مما قبلها إذا أحسنت الأكثرية الصامتة استخدام سلاحها الوحيد والصمود والتكاتف في وجه حكام الفساد والطائفية وأزلامهم، وباتباع طريق طويل ومسار شائك عماده المشاركة الهادرة والهادفة في انتخابات نزيهة تأتي بمن يستحق تمثيل الوطنيين لا الطائفيين مهما تفنن أهل السلطة في سن القوانين وتفننوا في تقسيم الدوائر الانتخابية لغايات تقاسمهم للسلطة، «فكما تكونوا يولّى عليكم».