قبل أيام لفت نظري تغريدة في "تويتر" للفاضلة عزيزة المفرج حملت فيها تراجع البلاد وتأخرها لزحف البادية، وكم تمنيت لو أنها استبدلت فقط كلمة "البادية" المطاطة بعبارة "قيم البداوة السلبية"، فهنا فكرة مركزة صلبة تقبل تداول فناجيل الأخذ والرد من دلال الفكر المبهّرة، ويمكن أن يبنى عليها تصور للحالة الكويتية الحالية كما هي، أما مصطلح البادية فهو أيضا، بالإضافة لكونه مطاطيا جداً، مصطلح مكاني متحيز يرمي بقميص يوسف في وجه مناطق أو اتجاهات معينة، ويحملها اتهاماً تشترك فيه مع ذئب أبناء يعقوب بالبراءة!

وكذلك الواقع يقول- إن وافقنا المصطلح المكاني- بأن الزحف تم بالاتجاه المعاكس، فمناطق البادية من العبدلي إلى النويصيب ومن حولي إلى السالمي هي التي تم الزحف عليها لا العكس، وهي مناطق البادية الكويتية منذ الأزل، فلو كانت عبارة "قيم البداوة" فقط محل إعراب تغريدة الفاضلة المفرج لكان مبنى الفكرة أفضل وأكثر مصداقية.

Ad

وفي السطور الباقيات سأحاول توضيح الفرق بين كلمة البادية، وعبارة قيم البداوة السلبية، ولماذا أفرغت الأولى التغريدة من محتواها، وكيف ستجعل الثانية التغريدة تصيح كأخي الإغريق أرخميدس أوريكا أوريكا، أو وجدتها وجدتها، وتؤصل لفهم واقعي لحالنا بعيداً عن التوهمات.

البداوة في الحالة الطبيعية تكيف إنساني، وقيمها إيجابا وسلبا ضرورة للبقاء، وكل القبائل يكون مثلثها مبنيا على ثلاثة أضلاع: التمركز الجغرافي المرتبط بالكلأ والماء أو المراعي، مع البناء الهرمي الاجتماعي الذي يحمل المرونة مع القريب والصلابة مع الغريب، مع عادات وتقاليد شتى ترسم "سلوم" مجتمع البداوة وتحدد إطاره، بهذا المفهوم لو طبقنا قيم البدو اليوم على واقع مجتمعنا لوجدنا أن كل مكونات المجتمع هنا بجميع فئاتها وطوائفها وتياراتها الفكرية تحمل قيم البداوة حتى إن أنكرت ذلك، فالصراع على الماء والكلأ طبعاً لم يعد موجودا بعد قيام الدول ووفرة الموارد، لكن مضمونه ومعناه مازال يحكم صراعات فئات المجتمع فيما بينها، فالماء تحول إلى نفوذ وحظوة ومصالح، والكلأ تحول إلى أصوات انتخابية ومراكز قوى ومصالح فئوية، كل ما سبق يدور حوله صراع بين قبائل المجتمع الكويتي الحديثة، والأسماء فقط هي التي تغيرت! فذوو فلان صارت تيار علان، وآل فلنتان صارت عائلة علنتان.

الفزعة البدوية حسب نظام "أنا وأخوي على ولد عمي، وأنا وولد عمي على الغريب"، واحتضان القريب المقارب ومجاملته بشدة مقابل الغلظة الشديدة مع غيره البعيد الأجنب تمارس هنا بكل أريحية، وينفخ على جمرها من تحت رماد الدستور كل فئاتنا، ولا نرى فيه بأسا إلا أمام المايكروفونات وشاشات الإعلام، وحتى الصامت منا صمته بمثابة علامة الرضا، وزواجه من قيم البداوة السلبية شرعي، وطلاقه من قيم الدولة بائن بالثلاث.

والعنصرية أيضاً من سلبيات البداوة، حيث كانت القبائل قديما تمارس جاهليتها كي لا يجهلنّ أحد عليها، واليوم تمارسها كل مكونات المجتمع وتياراته تحت تأثير فوبيا الآخر، تارة بنموذج "الدفش" أو "الديش" كما قصد النصافي لولده علي يوما، وتارة بنموذج الرقص على الحبال، والاعتماد على ذاكرة السمك التي حزنا مع الأسف وكالة قطع غيارها في الشرق الأوسط!

الواسطة بمفهومها الإداري أيضا تدخل في قيم البداوة المستحدثة بعد ظهور المدنية بنكهة البترول، ولكن إذا كان البدو أو البادية كما وصفتهم الكاتبة يمارسونها جهاراً نهاراً، وعلى وضح النقا، فأغلب مكونات المجتمع كذلك تمارسها بالخفاء وبشكل أكبر وأعظم، ورياضة الباراشوت الإدارية تشهد، و"افتح يا سمسم" مغارة هذا ولدنا لا تحتاج لعلي بابا البيروقراطية ليعترف بذنبه، فكلنا علي بابك يا كرم لا مانع.

قيل قديما الحكم على الشيء فرع من تصوره، وحكمنا على واقعنا ومحاولة علاجه تحتاج إلى جلد ذات يردع حالة السكر المعرفي اللاهية عن دراسة تطور مجتمعنا طوال العقود الماضية، وعبارة "كلونا البدو" ليست علاجاً، بل داء ينتحل صفة الدواء، ويجب التخلص منه، والتركيز على واقع أننا "كلنا بدو" شئنا ذلك أم أبينا... هنا فقط بداية العلاج الحقيقي.