أدى بدء الاكتتاب في شركة الزور وشركة البورصة إلى ردود فعل متباينة ومتناقضة، ففي البداية آثار نشر الآراء المختلفة لبعض الفقهاء حول حكم الشرع في هذا الاكتتاب الاستغراب والتساؤل عند فئات عريضة من الشعب، وطالب بعض النواب بالرجوع إلى هيئة الفتوى في الأوقاف، وبعد صدور هذه الفتوى اعترضت بعض التوجهات والأقلام ورأوا أن الفتوى تتعارض مع دستورية الدولة، وتضع تعاملاتها المالية في فوضى غياب المرجعية، في حين رأى بعض أعضاء مجلس الأمة أن استمرار الاكتتاب يخالف المادة الثانية من الدستور، وطالبوا بإيقاف الاكتتاب فوراً.

وهذا الاختلاف الشديد في الآراء يرجع إلى عدم الفهم وعدم التطبيق السليم للدستور منذ البداية؛ لذلك لابد من شرح مبادئ دستورية أساسية لفهم الموضوع من بدايته:

Ad

أولاً: من المعلوم أن الخطاب الدستوري في المادة الثانية والمذكرة التفسيرية لها إنما هو خطاب للمشرع العادي، أي مجلس الأمة، حيث نص على تحميل مجلس الأمة أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، ومن المعلوم أن أحكام الشريعة لا تكون ملزمة إلا بعد أن يتدخل المشرع ويقننها كما بينت ذلك أحكام المحكمة الدستورية، وعليه كان على مجلس الأمة أن يستحضر الرأي الشرعي أثناء صياغة القانون عام 2010 وليس بعد ذلك بسنوات، وقد دأبت شخصياً على ذلك أثناء رئاستي للجنة التشريعية واللجنة المالية، وعندما كنت أواجه باعتراض بعض النواب والمراقبين كنت أدعوهم إلى العودة لقراءة المذكرة التفسيرية للدستور وما كتبه أساتذة الفقه الدستوري.

ثانياً: عندما لا يأخذ المشرع العادي بهذا الأصل يكون قد فشل في حمل تلك الأمانة عمداً أو سهواً، أو أنه قد رأى أن الضرورات العملية قد حملته على التمهل في الالتزام بالرأي الشرعي (حسب النص الحرفي للمذكرة التفسيرية للمادة الثانية)، ولكن هل كانت هناك ضرورة عملية؟ وإذا كانت الضرورة هي ما دفعت اللجنة المالية ومجلس الأمة إلى هذا الرأي فلماذا لم يبين ما هي الضرورة التي دعته إلى ذلك في المذكرة التفسيرية للقانون أو بتصريحات صحافية.

ثالثاً: إن القانون 39 لسنة 2010 وتعديلاته الخاص بمحطة الزور وكذلك القانون 7 لسنة 2010 وتعديلاته الخاص بإنشاء شركة للبورصة قد صدرا دون أن يحتويا على نص يلزم بأن تعمل الشركتان وفق الشريعة (خلافاً للمبادئ الدستورية المشار اليها)، وتم تأسيس الشركة الأولى وربح المزايدة على نحو 40% من أسهمها تحالف شركتين أجنبيتين مع ثالثة محلية، وساهمت الحكومة عن جميع المواطنين، وبدأت أو أوشكت الشركة على الإنتاج، وجاء دور المواطن ليسترجع أسهمه من الحكومة بسعر الاكتتاب، وكذلك تم إنشاء شركة البورصة بإجراءات مماثلة، وقد تكون العودة عن تلك الإجراءات الآن صعبة ومكلفة جداً.

رابعاً: من المعلوم أنه عندما يغفل المشرع أو يتمهل في التزام الرأي الشرعي في أي قانون أو أمر من الأمور فإن الفتوى الشرعية يكون مكانها ضمائر الناس، والأمثلة على ذلك كثيرة، فها هي البنوك وشركات التأمين التقليدية والشركات التي تتعامل بالربا ولم يتدخل المشرع العادي حتى الآن لتغيير طبيعة عملها، ما زالت تعمل وتبقى مساهمة المواطن فيها والتعامل معها ينبع من ضميره ومدى التزامه الشرعي، لأن الفتوى على خلاف ما قيل لا تتدخل في أركان الدولة، ولا تؤدي إلى فوضى في مرجعية التعاملات المالية والمصرفية، ومثل هذا الأمر ينطبق على هيئة الاستثمار وتعاملاتها واستثماراتها وهي ملك الشعب الكويتي بأسره.

خامساً: إن صدور فتوى شرعية مخالفة للقانون ولرأي الحكومة هو مدعاة للفخر ودلالة على مدى الحرية التي نتمتع بها في بلادنا، ولو حدث هذا في بلاد عربية أو إسلامية أخرى لتم تغيير رجال الهيئة فوراً وربما أودعوا السجون.

سادسا: أخطأت هيئة الفتوى في الأوقاف عندما لم يبين تقريرها الخلاف بين الفقهاء حول هذا الموضوع، إذ امتنع فيها أكثر من عضو عن إبداء الرأي لعدم كفاية الأوراق والدراسات كما أجاز أعضاء الاكتتاب في حين رأت الأغلبية حرمته. وبذلك خالفت اللجنة منهجها السابق حيث كانت تذكر مختلف الآراء كما فعلت في موضوع المرأة، أما الآن فقد اكتفت بنشر رأي الأغلبية فقط، وهذا مأخذ كبير على اللجنة.

والخلاصة أن إهمال العمل التشريعي السليم أو الجهل به يوقع البلاد في أزمات هي في غنى عنها، وقد لا تكون العودة للتصحيح خالية أيضاً من الأخطاء، لذلك يجب الآن دراسة أي خطوة للتصحيح وفق المبادئ السابقة دراسة مستفيضة شرعية ومالية واقتصادية قبل الإقدام عليها.