لا يمكن فهم الثورات والهبّات الشعبية المتكررة في عدد من البلدان العربية إلا في إطار فشل مفهوم الدولة ومؤسساتها باعتبارها عقدا اجتماعيا بين الحاكمين والمحكومين.

مفهوم الدولة العصرية يفترض وجود العقد الاجتماعي الذي يلزم الحكام بأن يخضعوا للمساءلة الدورية، عبر الانتخابات والمؤسسات التشريعية، كما يلزمهم بالقبول بمبدأ تدوال السلطة نزولا عند إرادة الشعب الديمقراطية، كما يفترض المفهوم المعاصر أن الحكام يديرون شؤون الدولة والسلطة لخدمة مصالح الناس واحتياجاتهم بأسلوب يحقق، بقدر ما، توازن المصالح بين مختلف الفئات الاجتماعية، وعندما يختل التوازن تنشأ الحركات الإصلاحية، ويقوى دور المعارضة، وعندما ينعدم التوازن تنشب الثورات والهبّات الشعبية.

Ad

هذا ما نراه اليوم في لبنان، ورأيناه من قبل في تونس والجزائر والسودان، وهو ما قد نراه في بلدان أخرى في محيطنا العربي وفي العالم، وأكثر ما يستفز الثورات هي أنماط الحكم الشمولي الذي يحتكر كل الفضاءات، والموارد، والمراكز، ولعل أبرز ما يحفز الثورات الجارية، هو غياب مفهوم العدالة، سواء العدالة الاجتماعية أو العدالة السياسية.

العدالة الاجتماعية تفترض وجود الديمقراطية الاجتماعية، والتوازن في توزيع الموارد وتحمل الأعباء، وتقديم مستوى لائق من الرعاية الصحية، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، كما تفترض عدم وجود فجوات كبيرة في مستويات الدخل، وتتطلب عدم إثقال الناس البسطاء بالضرائب والقروض لمصلحة امتيازات الأغنياء والحكام.

والعدالة الاجتماعية تفترض المساواة في فرص التعليم، والعمل، وبرامج ذكية وفعالة لمكافحة البطالة، وهي بالطبع تفترض مكافحة الفساد بكل أشكاله، وأهمها مكافحة النمط السائد للأسف في العديد من الأنظمة، والمتمثل في سيطرة الزبائنية ومنظومة الواسطة والمحسوبية، سواء كانت الزبائنية سياسية حزبية، أو اجتماعية عشائرية، أو طائفية، ولطالما كانت الزبائنية والواسطة والمحسوبية هي أسوأ أشكال الظلم، لأنها تحرم الناس حقهم في تكافؤ الفرص، وتجعل الوظائف والمراكز والمناصب، حتى فرص الاستثمار، محتكرة لفئة معينة على حساب الفئات الأخرى.

أما العدالة السياسية فتشترط احترام مبدأين أساسيين: أولا فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وثانيا سيادة القانون والقضاء المنزه، والمستقل عن سيطرة السلطة التنفيذية، وهي تتطلب أجواء تضمن حرية الرأي والتعبير، والحق في التنظيم السياسي وحرية الإعلام، وقوانين عادلة تنظم المشاركة في الحياة السياسية مثل قوانين تمويل الأحزاب، كما تشترط إتاحة الفضاء لنمو المجتمع المدني وتطوره، إلى جانب المؤسسات الرسمية والحكومية.

وليس مصادفة أن أغلب المشاركين في الثورات التي نشهدها هم من جيل الشباب، ولذلك عدة أسباب، فجيل الشباب في العادة لم يروض بعد بالخوف من البطش، وهو أكثر فئات المجتمع حساسية لانعدام الفرص، وانعدام آفاق المستقبل، ولغياب العدالة السياسية والاجتماعية، وهو كذلك الأكثر تواصلا مع العالم والتطور المعاصر، والأكثر معرفة بما يفتقده من فرص وخيارات بالمقارنة مع الشعوب الأخرى بحكم استخدامه الكثيف لوسائل الاتصال الاجتماعي.

لا مخرج من الأوضاع التي استدعت الثورات إلا بالإقرار بالحاجة إلى إصلاح وثورة شاملة، تعيد للمواطن كرامته، وحقوقه، ومستقبله عبر إعادة صياغة شاملة لمفاهيم الدولة والحكم، وأول ذلك أن يدرك الحكام والمسؤولون أنهم موظفون في خدمة الشعب، لا أسيادٌ عليه وعلى مقدراته.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية