نجح الإعلام الرسمي في تشويه انتفاضات الربيع العربي الواسعة قبل عقد من الزمن، فالحراك الذي انفجر بعفوية بسبب الجوع أو الاضطهاد كنتيجة للفساد الحكومي ونهب ثروات الأمة ألبس عباءة المؤامرات الخارجية وتسلّق الإسلاميين على ظهرها، حتى سقط وتنفس بعدها الكثير من الحكام الصعداء، ولكن بدلاً من الاعتبار من تلك الأحداث، تمادت الحكومات في طغيانها وسرقة أموال شعوبها، فجاءت ردة الفعل المدوية مجدداً في الجزائر والسودان، وها هي الانتفاضات الشعبية تصل إلى العراق وحالياً لبنان.

الحراك الشعبي في لبنان تحديداً، والذي أبهر العالم بالجمع بين الغضب والمرح الناعم وحفلات الموسيقى والشواء، يشبه الحالة الكويتية، فكما الكويت لبنان تأسس على الاستقطاب الديني والطائفي والعرقي، بالإضافة إلى الطبقية الجائرة بين الإقطاعيين والفقراء، وكما الكويت لبنان بلد صغير ومحاط بقوى إقليمية كبرى، إما تذكي أو تستميل انقساماتها ومكوناتها الداخلية، أو يتم استغلال عامل الخوف من الجيران للعبث في الداخل، وكما الكويت لبنان من الدول العربية النادرة التي تتمتع بحدود من الديمقراطية والحرية والمشاركة في الانتخابات، ولكن مع النتيجة نفسها بأن البرلمان المنتخب أو الصحافة والقنوات الفضائية هي تكريس للمحاصصة الطائفية والدينية والإثنية.

Ad

أما العامل المشترك الأهم بين لبنان والكويت فيتمثل في أن الأحزاب السياسية القائمة على أسس طائفية أو دينية أو مناطقية وعرقية هي التي تشكل السلطة الحاكمة، وتتقاسم النفوذ وتحافظ على وجودها من خلال دغدغة العواطف والتعصب، وتحولّت تدريجياً إلى أيقونات للفساد والهيمنة، تاركة الشعب اللبناني يغرق في مشاكله اليومية، ويئن من تردي الخدمات والفشل العارم في إدارة شؤون الدولة، ثم تأتي الحكومة بكل صلافة لتلقي نتاج فسادها وفشلها على جيب المواطن اللبناني، وتفرض المزيد من الضرائب والرسوم المالية، الأمر الذي أدى إلى انفجار الناس وخروجهم إلى الساحات والشوارع بشعارات تخطت المظاهرات المطلبية لتصل إلى حد إسقاط الحكومة والمؤسسات العميقة دون التفكير حتى في النتائج المترتبة على ذلك، وقد يكون منها الفوضى العارمة وتهديد وجود كيان الدولة نفسها.

فهذا الشعب الغاضب كان حتى الأمس القريب هو الوقود الذي تستخدمه الأحزاب للوصول إلى البرلمان والحكومة وشارك في ذلك بكل قوة، لكنه استيقظ الآن وأدرك أنه كان ألعوبة، وقد حان وقت التمرد، لذلك فإن المظاهرات اللبنانية اليوم ليست موجهة ضد حزب معين أو سلطة سياسية بعينها، ولكن كل طائفة أو تيار بدأ ينقلب على قادة حزبه ونوابه ووزرائه مرددة أقسى الشعارات ضدهم ومطالبة برحيلهم.

هذا الوضع تماماً ينطبق على الحالة الكويتية، حيث تحوّل مجلس الأمة الذي انتخب تحت شعارات طائفية وقبلية وعائلية إلى خانة الفساد، وطعنت القوى السياسية أتباعها في الظهر وراحت تبرم الصفقات الشخصية مع الحكومة، وبات غطاء الفساد يغطي الجميع، في حين يغرق الناس بكل مكوناتهم في وحل سوء الخدمات والقروض المهلكة والنهب المنظم على عينك يا تاجر وهم مدفوعون فقط لتحريض بعضهم على بعض باسم المذهبية والعصبية القبلية والمصالح التجارية، ولذلك فإن عدوى اللبنانيات واللبنانيين قد تكون قريبة جداً منا!