"وين المشكلة"؟ الحكومة أم مجلس الأمة، أم الحكومة والمجلس معاً، ومعهما المواطنون الذين أنتجوا هذا المجلس وسكتوا عن هذه الحكومة التي حددت خيارات المواطنين في الانتخاب ومنع الأحزاب... إلخ؟

هو تساؤل مكرر ومملّ، ويثار لدرجة القرف في الإعلام القفصي (نسبة إلى القفص وسجون التدجين) حين يطرح موضوع تبديد موارد الدخل والاحتياطي، كما هو حادث الآن مع تيه و"شرباكة" قروض التأمينات، ومثلما يحدث دائماً في مشروعات استهلاك الغد من أجل لحظة حاضر.

Ad

سؤال مملّ ومكرّر آخر: لماذا الكويت عاجزة تماماً عن إيجاد مصادر دخل بديلة ومساندة، ولو بدرجة متواضعة؟ ليس المطلوب أن نكون مثل النرويج في توفير صناديقها الاستثمارية، بل على الأقل مثل دولة الإمارات العربية وتحديداً دبي، فالكويت لا يوجد فيها مثل "سابك" السعودية، ولا مشاريع تطوير الأراضي مثل دبي، ولا سياحة تدرّ دخلاً مثمراً كالإمارات...!

ينقل مايكل هارب (هكذا أتصور اسمه يُلفظ) في كتابه "أجور النفط والبرلمانات والتنمية الاقتصادية في الكويت والإمارات..." عن ستيفن هرتزوغ، أن العائلة الحاكمة هنا ليست مستقلة في قرارها، والنتيجة عرقلة مجلس الأمة للمشاريع الطموحة بحجة المزيد من الرقابة المالية وتفويت فرص الفساد، فهي "فوبيا" الفساد، التي خنقت مثل مشروع الداو عام 2008، أو تطوير حقول الشمال، وانتهينا الآن دون تنمية حقيقية مع زيادة الفساد.. وتيتي تيتي...، والجملة الأخيرة من عندي.

ليس الكلام السابق صحيحاً بكامله، فقد جرّبت الكويت حكومات بلا مجالس نيابية، أو مجالس تتبع الحكومات، بدرجة ما، مثل المجالس الأخيرة، والحال تنتهي بالجملة الشهيرة كذلك "تيتي تيتي"، زاد الفساد بغياب الرقابة ولم يحدث أيّ جديد، فلا ننسى سرقات الاستثمارات والناقلات في غياب المجلس، وبعد حلّ مجلس 86 وحتى التحرير،... لكن أيضاً لم يتوقف النهب حتى بوجود مجلس 92 وما بعده، مثل تجاوزات الدفاع، وأخيراً قضية مدير التأمينات السابق، الذي ظلّ قابعاً في مكانه لعقود طويلة وبمباركة حكومات ومجالس متعددة... لكن مع تحفّظ أن السلطة هي السلطة لم تتغير ولم تتبدل.

الكاتب مايكل هارب يرى أن العقدة الكويتية سببها حالة التطرف الريعي الشديدة، فسياسة الرعاية من المهد إلى اللحد دون ضرائب على رؤوس الأموال والدخول، من ناحية، ولهاث السلطة لترضية معظم الطرح الشعبوي، مع زيادة القمع بعد أحداث الربيع العربي، من ناحية أخرى، كلّ ما سبق أنتج تخديراً عاماً في الوعي السياسي، وساهم خوفٌ من عقوبات رهيبة، مثل سحب الجناسي، في ترويع المعارضين.

أيضاً، عند الكاتب السابق، يرى أن هناك تقاطعاً طبقياً مع واقع اجتماعي، فهو يستعمل عبارة "البدو" في مقابل "الحضر" (رغم أن البداوة تنتهي بالاستقرار)، فالأولون لم ينالوا حظّهم العادل من ثروات التثمين، فلم تصبهم "بركة" تثمين المدينة في الخمسينيات، وظلموا بدرجة شديدة، ولعل صوت النائب سعد بن طامي في مجلس 75 كان قوياً هادراً، في نبش سياسة التمايزات ببعض مناطق السكن عن غيرها، الآن وهُم الذين "فاتتهم" فرص زمان، أو فُوّتت عليهم بعمد، يطالبون بنصيبهم في ما فات عليهم، أليس هذا حقهم في العدالة؟ فهم من يشكّل أكثرية الموظفين والأكثرية بصفة عامة، في مقابل "الحضر" الذين منهم النخب المالية التقليدية والتجار الكبار تحديداً.

الكلام السابق، أيضاً، ليس صحيحاً بالكامل، فهناك أكثرية من الحضر، أيضاً، تم ظلمهم في لعبة التثمين التي استفادت منها قلّة قليلة جداً منهم، وكان أهل السلطة من الأسرة الحاكمة مع طبقة التجار التقليديين الأكثر استفادة.

ويبقى أخيراً سؤال "وين رايحين؟" قائماً مع سلطة حاكمة تراوح في مكانها، وترفض تغيير النهج، وتصرّ على ثبات الزمن، فما العمل معها؟