ناورو جزيرة استوائية صغيرة في المحيط الهادي، لا تتجاوز مساحتها ثمانية أميال ونصف الميل المربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي 11 ألف نسمة، موزعين على اثنتي عشرة قبيلة.

كانت في يوم من الأيام مصنّفة باعتبارها من أغنى دول العالم (يرى بعض المتخصصين في مجالات التنمية أن ذلك كذبة وخديعة من المستعمرين)، فضلاً عن "لعنة المصادر الطبيعية"، وهذه اللعنة تصيب بعض الدول الغنية بالمصادر الطبيعية، لكنّها تتأخر في الكثير من الحقول اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

Ad

والآن، وبعد أن أخنى الدهر عليها أصبحت من أفقرها. وسبب الادعاء بغناها وجود كتلة سطحية في وسطها من الفوسفات النقي، ومعروف أنها ناضبة منذ بداية استغلالها في مطلع القرن العشرين.

ومنذ إعلان استقلال ناورو في عام 1968، بدأت حكومتها تتحسب لليوم الأسود المحتوم؛ يوم نفاد صخرة الفوسفات، فكان لا مفر من التحوّط، فأنشأت صناديق استثمارية، وقامت بمشاريع استثمارية إقليمية، مثل شركة طيران إقليمية وشركة للنقل البحري، وكان لابد من استثمارات عقارية في المنطقة وخارجها. وأطل الخداي برأسه، فلا شركة الطيران ربحت يوماً، ولا شركة النقل البحري كانت أحسن حالاً، كما لم يكن الاستثمار في عمل مسرحي عن حياة ليوناردو دافنشي أفضل حالاً.

أما جوهرة الاستثمار فكانت بيت ناورو، في مدينة ملبورن الأسترالية، "إذ كان المبنى الأعلى بالمدينة في حينه"، وبلغ ارتفاعه خمسين طابقاً.

وللاستمرار في هذه السياسة، بدأت ناورو بالاقتراض من دون تفكير في كيفية خدمة الديون أو سدادها، فتم الحجز على الطائرات في المطارات، وانتهت شركة ناورو للطيران، كما تمت تصفية الاستثمارات لسداد القروض، وكان آخرها بيت ناورو الذي تم بيعه عام 2004.

جليّ أن السبب الرئيسي في الفشل هو سوء الإدارة والفساد، لكن هناك أصولاً غير ملموسة يمكن أن تثمر، فقد انضمت جمهورية ناورو إلى الأمم المتحدة عام 1999، وبدأ بعدها استغلال ميزات الدول المستقلة.

فالاعتراف بالصين الشعبية تمّ بمقابل، ثم سُحب الاعتراف وتم نقله إلى الصين الوطنية بمقابل أفضل، وجاء دور غسل الأموال، فمنحت ناورو تراخيص للبنوك دون أن يوجد لها حتى عنوان معروف، ثم عرضت جوازات دبلوماسية وعادية للبيع، وشرعت الأبواب للمافيات لغسل الأموال، فمررت المافيا الروسية حوالي سبعين مليار دولار خلال 1998، لكن موقفاً حازماً من حكومة الولايات المتحدة بتوقيع عقوبات اقتصادية صارمة أعاد حكومة ناورو إلى جادة الصواب.

عاش سكان الجزيرة معتمدين على ريع بيع الفوسفات إلى أن نضب في عام 2006. وعاش سكان الجزيرة على سياسة الرفاه الاجتماعي، الذي شمل توفير الخدمات الصحية والتعليم والإسكان (بإيجار رمزي)، وحتى الجريدة اليومية للمواطنين مجاناً.

أما الربادة فتظهر واضحة في معدل السّمنة بين السكان، الذي أصبح الأعلى في العالم، وكذلك نسبة الإصابة بمرض السكري "النوع الثاني". وأصبحت مثلاً يجري على لسان الباحثين في قضايا التنمية... ولم يكن أمام إدارة الجزيرة من حيلة إلا الاقتراض، و"اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"، أو كما يقول المثل المحلي في الجزيرة "سيهتم الغد بنفسه"، فذهبت كل الاستثمارات أدراج الرياح لسداد جانب من الاقتراض المبني على الخداي، وعملياً بعد استنفاد مخزون الفوسفات أفلست ناورو.

وجاء بعد ذلك الفرج، حين أصبحت أستراليا إحدى وجهات الهجرة غير الشرعية، واحتاجت إلى معسكرات خارج الحدود بصفة مؤقتة، حتى يتم فحص طلبات اللاجئين وإتمام التحري عنهم، فقامت باستئجار المطلوب من ناورو من معسكرات إقامة ومكاتب تحقيق، وكان دخل ناورو من هذه الخدمات يشكّل ثلثي دخل الميزانية العامة، لكن هذا شأن مؤقت، فقد فتحت الولايات المتحدة باب قبول بعض من اللاجئين وتوقّف تدفقهم على أستراليا.

ومنحت حكومة ناورو امتيازاً للتنقيب عن المعادن النادرة في المياه الإقليمية، غير أن عوائدها لا تغطي مصاريفها. لكن نتائج الاستثمار تتحملها الشركة صاحبة الامتياز.