مع استعداد الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية لإصدار خطة التنمية الثالثة (2020 - 2025) قريباً، تقتضي أدنى درجات المسؤولية المفترضة تقييم الخطتين الأوليين (2009 - 2019)، وتدارك الانحرافات فيهما، وبيان مواطن الضعف والخلل، لئلا تكون الخطة الجديدة مكملة لفشل السابقتين.

ففي الخطة الأولى أعلنت الحكومة رسمياً على لسان وزير المالية آنذاك الشيخ سالم الصباح فشلها بعد مرور 4 سنوات على تطبيقها، وهي الخطة التي كانت تستهدف تحويل الكويت إلى مركز تجاري ومالي، ووفق ما يبدو، اكتشفت الإدارة التنفيذية أنها غير قادرة على تحقيقها، أما الخطة الثانية (الحالية) فجرى تقليصها لتكون «واقعية وغير طموحة»، حسبما أعلنت وزيرة التنمية وقتئذ هند الصبيح، بحيث تركز على المشاريع الإنشائية وتطوير القطاع العام، في حين ستركز الثالثة «المستقبلية»، وفق ما أعلنت وزيرة الدولة لشؤون التنمية مريم العقيل، على التحول الرقمي في أجهزة الدولة، أي رفع مستوى التكنولوجيا في القطاع العام، إلى جانب تغيير دور الدولة في الخدمات العامة من التشغيل إلى التنظيم، وهو ما يشير إلى اتجاه معين ــــ غير صريح ــــ لدى الدولة نحو الخصخصة.

Ad

ومع أن اللافت هنا هو التراجع في طموحات خطط التنمية من الأولى إلى الثانية إلى الثالثة، التي يبدو أنها ستكون «متناهية الصغر» في الطموحات والحلول رغم صرف 28 مليار دينار عليها منذ عام 2009، فإنه من المبكر تقييم تلك الخطة قبل صدورها رسمياً، وإن كانت الطموحات تلعب دوراً مهماً في تحديد أهدافها ومشاريعها، وعليه فإن نجاح أي خطة من عدمه يتطلب، إلى جانب شرط أساسي هو كفاءة الإدارة العامة المنوط بها التنفيذ، مجموعة من المحددات أبرزها ما يلي:

4 محددات

- أي خطة تنمية يجب أن تستهدف 4 محددات أساسية هي علة الاقتصاد الكويتي المزمنة، وهي معالجة قلة الإيرادات غير النفطية في الميزانية مقابل الإيرادات النفطية، ورفع نسبة العمالة الوطنية في القطاع الخاص مقابل «العام»، وتعديل التركيبة السكانية لمصلحة رفع نسبة المواطنين مقابل الوافدين، مع رفع نسبة مساهمة القطاع الخاص «الحقيقي» في الناتج المحلي الإجمالي... فالنجاح في معالجة هذه المحددات أو التقدم في جزء منها هو ما يمكن وصفه بخطة التنمية، وعليه يكون تحديد مدى النجاح أو الفشل فيها.

خطة وخطط

- مشكلة خطة التنمية أنها ليست الخطة القائدة لمشروع الإصلاح الاقتصادي في الكويت، فهي واحدة من ضمن مجموعة خطط لا يعرف حتى من وضعها أياً من المشاريع والخطط له الأولوية في التنفيذ، فضلاً عن نقاط التشابك والتضاد في كل خطة عن أخرى، فإلى جانب خطة التنمية، هناك رؤية 2035 ووثيقتا الإصلاح الاقتصادي والمالي، و«استدامة»، حتى مشروع «الحرير» الذي هو جزء من آخر خطة تنمية يعلم الجميع أنه أكبر من كل ما ورد في الخطة رغم أنه مصنف كأحد مشاريعها... ولعل هذه الفوضى في إصدار الخطط الحكومية تشير إلى عدم الجدية في تنفيذ أي منها.

عدم إيمان المجتمع

- خطط التنمية المتعاقبة السنوية منها والخمسية تواجه دائماً مشكلة عدم إيمان المجتمع بها، ولعل هذا الأمر مرتبط بشكل كبير بسوء آليات القياس، فضلاً عن التنفيذ، فخطة التنمية الأولى، وفي سنتها الأولى أيضاً، حققت حسب البيانات الجكومية 60 في المئة من أهدافها، أما الخطة الثانية فقد سجلت رسمياً 80 في المئة من أهدافها، وهو أمر لا يمكن تصديقه على أرض الواقع، ومع البحث عن أسباب أو معايير النمو في نسب الإنجاز نجد أن هذه الخطط احتسبت منح قروض الرعاية السكنية والزواج والمساعدات الاجتماعية ورفع السعة السريرية للمستشفيات وإنشاء الحدائق وحضانات الأطفال أو حتى مشاريع البنى التحتية من ضمن نسب الإنجاز المحتسبة في تنفيذ الخطة، ومن ثم فإن نجاح أي خطة لابد أن يكون من خلال آليات قياس صارمة.

مصروفات الخطة

- الحديث عن أن مصروفات الخطة، حسب إعلان الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية قبل أسابيع، بلغت 28 مليار دينار، يستوجب من الخطة الجديدة «الثالثة» أن تعيد تعريف مفهوم التنمية، هل هي مجرد إنفاق على مشاريع بنية تحتية أم أنها مشروع نهضة للكويت؟ لأن ما أنفق خلال السنوات الماضية لم يصب في أيٍّ من اختلالات الاقتصاد، بل بالعكس تعمقت مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك خلطاً كبيراً بين مصروفات الميزانية الاعتيادية بكل ما فيها من اختلال والصرف على خطة التنمية التي يفترض أن يكون الإنفاق فيها أكثر رشداً من الميزانية، باعتبارها من برامج الإصلاح الاقتصادي، والأجدى أن يتم ربط إنفاق الميزانية العامة بخطة التنمية، خصوصاً أن الإنفاق على البنية التحتية في الكويت غالباً لا يخدم الاقتصاد، ومن ثم لا معنى لأي مشروع في الخطة يستهلك أموال الميزانية بلا عائد للدولة.

من المهم لدى واضعي خطط التنمية فهم أن الوقت لم يعد متاحاً كما كان الأمر عند إطلاق الخطة الأولى من حيث وفرة الإيرادات النفطية آنذاك، التي تستطيع تغطية أي خلل أو انحراف اقتصادي أو مالي، فواقع الكويت في السنوات المقبلة يشير إلى مساعٍ للاستدانة، وضغط أكبر على سوق العمل، إلى جانب الخدمات العامة مع أسعار نفط قد لا تلبي سعر التعادل في الميزانية، ومن ثم ستكون خطط التنمية المتناهية الصغر في الطموح جزءاً من المشكلة لا الحل.