«... الأصل أن المتهمين لا تجوز معاملتهم بوصفهم نمطاً ثابتاً، أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحدة تجمعهم لتصبهم في قالبها، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها... وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة، بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها... وحيث إنه فضلاً عما تقدَّم فإن (شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها) مرتبطان (بمن يكون قانوناً مسؤولاً عن ارتكابها) على ضوء دوره فيها، ونواياه التي قارنتها، وما نجم عنها من ضرر، ليكون الجزاء عنها موافقاً لخياراته بشأنها...».

بهذه الكلمات الطيبة الرائعة البديعة استهلت وسطَّرت المحكمة الدستورية العليا في مصر أسباب الحكم في الدعوى رقم 133 لسنة 18 قضائية «دستورية» الصادر في نوفمبر لسنة 1997، وقد كتبها بالمناسبة رئيس المحكمة الدستورية، آنذاك، د. عوض المُرّ، رحمه الله.

Ad

وحيث إنه بالنظر إلى ما قررته الدستورية العليا في القاعدة المشار إليها بمطلع المقال، وباستقراء نص المادة 2/ج من القانون رقم 106 لسنة 2013 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي تنص على أن «يُعد مرتكباً لجريمة غسل الأموال كل من علم أن الأموال متحصلة من جريمة، وقام عمداًج- اكتساب الأموال أو حيازتها أو استخدامها».

وبالنظر إلى تلك العقوبة من زاوية دستورية يجد الكاتب في نفسه أنها تعدت على مبدأ شخصية العقوبة وميزان العدالة الجنائية، على اعتبار أن تلك المادة جعلت من كل جريمة من جرائم الأموال، كجريمة السرقة، مثلاً، التي عقوبتها الحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات أو بالغرامة بمجرَّد أن تكتمل أركان الجريمة في حق المتهم باكتساب أو بحيازته للشيء المسروق حيازة هادئة يكون المتهم مرتكباً لجريمة سرقة ومرتكباً لجريمة غسل أموال التي تصل عقوبتها إلى الحبس لمدة عشر سنوات، لكونه اكتسب الأموال -محل الجريمة- أو حازها، وهو يعلم أنه تحصَّل عليها من جريمة السرقة.

لا جرم أن النص المشار إليه، علاوة على أنه تحوم حوله شبهة عدم الدستورية، لكونه جعل (ضمنا) جميع جرائم الأموال – كما هو حال جريمة السرقة في المثال السابق، وقل مثل ذلك بجريمة النصب - قد ترقى إلى جريمة غسل أموال، كون المتهم يعلم أن الأموال المسروقة أو المستولى عليها تحصَّل عليها من جريمة، وهو ما قررته الفقرة «2/ج»، إلا أن ذلك التطبيق سيكون قاسياً فجاً على المتهم، مجاوزاً حد الاعتدال، متعدياً على مبدأ مشروعية العقوبة.

ولأن المُشرِّع كان قد جرَّم الأفعال الواردة بالمادة 2/ج من قانون غسل الأموال، ولم يعاقب عليها باعتبارها أعمالاً تحضيرية أو أعمالا لاحقة للفقرات الواردة في المادة 2، واعتبرها جريمة مستقلة في ذاتها، من المتصور أن يرد الشروع عليها، وأن تسبق بدورها بأعمال تحضيرية.

بغض النظر عن الغرض المستهدف من تلك المادة، إلا أنها جعلت النيابة العامة تُقدم متهمين للمحاكمة ارتكبوا جريمة نصب، وهي من جرائم الجُنح، لكونهم اكتسبوا الأموال التي استولوا عليها أو حازوها بأفعال النصب تُسند إليهم – بالإضافة إلى تهمة النصب – تهمة غسل الأموال، وتحديداً المادة 2/ج، وعلى ضوء ما تقدَّم يكون النص المشار إليه -برأي الكاتب الذي يحتمل الخطأ- بقانون غسل الأموال قد أهدر مبدأ شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة، وأهدر مشروعية العقوبة، لذلك نأياً عن ضوابط المحاكمة المنصفة يتعيَّن تصدي دوائر الجنايات لهذه المسألة إن كانت مطروحة عليها، بإحالة الدعوى للمحكمة الدستورية لخطورتها، أيضاً على المشرِّع إيجاد حل لذلك الخلل بتدخل تشريعي يتواءم مع الدستور.