في أواخر شهر يوليو 2003 ، كنت في بغداد بدعوة من الأمم المتحدة، ضمن ٥ خبراء دوليين حول الأوضاع الإنسانية للعراق. أقمنا في فندق عشتار بأدواره العالية، بلا كهرباء، وبالتالي بلا تكييف، في عز الصيف، مع شحّ في الماء، وترد في الخدمات، ولا حاجة لشرح الحالة الصعبة التي عشناها حينها، حالنا حال بقية العراقيين في كل المناطق التي زرتها جنوباً وغرباً وشمالاً.

في تلك الزيارة، جمعتنا جلسة مع عدد كبير من الحقوقيين العراقيين بفندق القناة في ناحية الرصافة، مقر الأمم المتحدة حينها، والذي تم تفجيره لاحقاً في 19 أغسطس وراح ضحيته العشرات، وعلى رأسهم الصديق سيرجيو دي ميللو، رئيس بعثة الأمم المتحدة حينها، والذي كان يسعى لفك الاشتباك التدريجي مع الاحتلال، ومن ثم التحول للحكم المدني العراقي.

Ad

كان الحديث مع القاضي كامبل الأميركي، وهو بمثابة وزير العدل في حكومة بريمر. اشتكى أحد القضاة العراقيين من إحساسه بالإهانة لتعرضه للتفتيش المهين أمام المحكمة. تحدثت موجهاً كلامي لكامبل بضرورة الالتزام باتفاقية جنيف الرابعة، التي تنظم الحياة في الدول المحتلة وكيفية التعامل مع المدنيين، حيث لا التزام بها، مما سيؤدي إلى انفجار الأوضاع. كانت ردود كامبل مقتضبة، كوعود الحكومات العربية. غادر الأميركان كحكومة وقد دمروا أكثر مما أصلحوا.

منذ ذلك الحين، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، بل ربما فوقه وعلى جانبيه. وتحت ضغط دولي من مجلس الأمن، قبلت أميركا وصفها رسمياً بأنها دولة احتلال، لتتوافق مع مشروعية الاتفاقية الرابعة، وجاءت حقبة مجلس الحكم، ثم اشتعال العنف المسلح، وتعاظم النفوذ الإيراني، ومتاهات السياسة والانتخابات، ثم داعش وأخواتها، والانتخابات تحت قعقعة السلاح.

منذ ذلك الحين، ومنذ انتهاء برنامج النفط مقابل الغذاء، تم تقدير دخل العراق من النفط بتريليون دولار، ومع ذلك لم يتحسن وضع الكهرباء والماء والخدمات كثيراً، بل زادت الأمور سوءاً في مسائل التوظيف والسكن والفقر، مقابل أن عدداً من السياسيين والحزبيين انتفخت أوداجهم وبطونهم، دون الاكتراث بأن السمنة مضرة بالصحة.

منذ ذلك الحين، زرت العراق مرات عديدة في مهمات إنسانية وحقوقية متعددة، وشاركت داخل العراق وخارجها في ندوات ومؤتمرات حول مستقبل العراق. وبعيداً عن السياسة، كنت أسأل سؤالاً بريئاً: لماذا لا توجد كهرباء وماء نظيف، مع تدفق كل هذه الأموال؟

الحراك الشعبي في العراق، هذه المرة، له نكهة مختلفة، مع أنه ليس الأول، ولن يكون الأخير مادامت الأوضاع متدهورة، والفساد منتشراً، والنفوذ الخارجي موجوداً ومؤثراً. يأتي الحراك بعد حدوث نماذج حراكية في المنطقة وغيرها، من هونغ كونغ إلى السودان إلى الجزائر وغيرها، مما أصاب الطبقة السياسية بالفزع، من تداعيات الحراك، فلم يعد كافياً اتهامهم بالمندسين، ولذلك ستحقق جزءاً من الأهداف، وليس كلها، كالتوظيف والمساكن العشوائية، وأملاك الدولة وتوفير الأراضي، وبطالة بين الشباب تزيد على ٢٥٪، وربما يكون ذلك فرصة للتفكير الجدي في الإصلاح الحقيقي، وإلا فالحراك القادم سيكون أكثر دموية، وتهديداً للمتنفذين السياسيين.