هل كانت ردة فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء العدوان الإيراني ضعيفة؟ وقد قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في تغريدة أخيراً إن إيران ربما اعتبرت تراجع الرئيس ترامب في اللحظة الأخيرة عن توجيه ضربة عسكرية انتقامية الى طهران بعد إسقاطها لطائرة عسكرية مسيرة أميركية– وقراره بدلاً من ذلك بهجوم سيبراني كبير ومؤثر– على أنه علامة ضعف من جانب واشنطن.

وقد رد ترامب على السيناتور غراهام بالقول إن القرار المذكور أظهر قوة واضحة، وأنا أرى أن الرئيس كان محقاً ليس لأن إدارته تتبع استراتيجية تؤيد وجهة نظر السيناتور الجمهوري راند بول وغيره من دعاة عدم التدخل الذي قد يفضي الى حروب مكلفة مع تداعياتها على القيادة السياسية، بل لأن حذر الرئيس في هذه الحالة سمح لاستراتيجية وزارة الخارجية الأميركية بالعمل بطريقة فعالة الى حد كبير.

Ad

ويمكن القول إن السيناتور بول وغيره من جناح اليمين الذين أشادوا بقرار الرئيس الداعي الى عدم التورط في حرب علنية على إيران كانوا على حق في تقديرهم بأن تلك الحرب ستكبد الولايات المتحدة خسارة فادحة في الأموال والأرواح في وقت نحن في حاجة فيه الى تركيز جهودنا ومواردنا واستراتيجيتنا من أجل ردع الصين وروسيا وتجهيز جيشنا للفوز في معركة محتملة في حال فشل جهود الردع. ومن المؤكد أن تورط الولايات المتحدة في نزاعات الشرق الأوسط الطويل والمكلفة يشكل فائدة بالنسبة الى روسيا والصين.

تداعيات السياسة الأميركية

وفي ميدان السياسة الأميركية تعتبر الدعوة الى النأي عن التورط خطوة سلبية من النوع الذي يشجع على العدوان، وتسعى الولايات المتحدة بصدق الى تفادي الحروب، ولكن ذلك ليس في مصلحتها دائماً والتي تقتضي تحقيق العدالة للشعب الأميركي في المقام الأول، وذلك يعني أن على الحكومة الفدرالية حماية مواطنيها ومصالحهم من أولئك الذين يسعون الى إلحاق الأذى بهم بشتى الوسائل.

ومعروف أن المرء يمارس ضبط النفس عندما تكون لديه القدرة والرغبة للتصرف لكنه يختار عدم القيام بعمل ما، ويقف اليوم الرئيس الأميركي ترامب ويده القوية وراء رأسه في مواجهة خصم أضعف كثيراً، وعلى الرغم من ذلك يقرر عدم اتخاذ خطوة ضده. هذه هي الصورة التي أرى وضع الولايات المتحدة فيها في مواجهة إيران وقرار البيت الأبيض في اللحظة الأخيرة عدم توجيه ضربة عسكرية اليها.

ويبدو حتى الآن أن التأثير المرغوب من الإجراء الأميركي قد تحقق، وتوقفت إيران عن إطلاق النار على أهداف أميركية تعبر بطريقة قانونية الأجواء ولا أظنها سوف تستهدف أي ناقلة نفط تحمل العلم الأميركي وهو على وجه التحديد ما كنا نريده من توجيه ضربة عسكرية أميركية الى إيران.

أهداف التهديد بضربة عسكرية

الهدف هنا هو جعل الخصم يأخذ التهديد باحتمال تعرضه الى ضربة عسكرية بشكل جدي، وذلك من دون اللجوء الى استخدام القوة، وفي هذه الحالة حصل الرئيس ترامب على مساعدة من أولئك الصقور في إدارته الذين دعوا الى القيام بعمل حربي لأنهم أعطوا صدقية للتهديد باللجوء الى القوة. وعلى سبيل المثال كان دور مستشار الأمن القومي جون بولتون جيداً بالنسبة الى البيت الأبيض لأنه من خلال وجوده في الغرفة مع الرئيس ترامب خفف من رغبة الأخير في السعي الى تفاهمات مع كوريا الشمالية ودول معادية أخرى.

ويستمر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في القيام بدور مماثل، ولكن بأسلوب مختلف الى حد كبير، وكان جيداً أن الرئيس ترامب اختار تعيين مجموعة من المساعدين الذين يرون أن ثمة أشياء أسوأ من الحرب وأن الطريقة الأفضل لتفادي الحرب تكمن في الاستعداد لها. ولكن السؤال اليوم هو كيف كان رد الرئيس ترامب على السلوك الإيراني؟

في المقام الأول أفضت العقوبات الاقتصادية الأميركية الى تعطيل وتجفيف تدفق النقد على إيران، كما أن صادرات النفط الإيراني هبطت بنسبة 80 في المئة منذ بدء تنفيذ العقوبات والتي يقول المبعوث الأميركي الخاص الى إيران برايان هوك قد أرغمت طهران على خفض الانفاق العسكري بنسبة 29 في المئة في هذه السنة، وتلك أنباء سيئة بالنسبة الى القوات الشيعية شبه العسكرية التي تعمل بقيادة الحرس الثوري الإيراني لنشر الفوضى في العراق وسورية ولبنان واليمن لصالح الحكومة الإيرانية.

ويتمثل العامل الثاني في محاولة جهة ما عرقلة تقدم إيران العسكري، ويقول أحد الخبراء إنه منذ التاسع عشر من شهر يوليو الماضي وقعت 5 غارات جوية رئيسة على الأقل على مستودعات ذخائر لميليشيا شيعية لتخزين صواريخ إيرانية. وعلى الرغم من عدم تبني أي جهة المسؤولية عن تلك الهجمات فإن الشكوك تركزت حول الولايات المتحدة واسرائيل مع دعم من جانب دولة شرق أوسطية، وبغض النظر عن المصدر فقد أضعفت تلك الهجمات هيمنة إيران في الشرق الأوسط.

تحالف ضد إيران

وأخيراً بدأ شركاؤنا وحلفاؤنا بتأييدنا والوقوف معنا ضد إيران، وقد جهد وزير الخارجية بومبيو والمبعوث الأميركي الخاص الى إيران برايان هوك لحث الحلفاء على اتباع أسلوب إدارة ترامب في التعامل مع طهران، ويبدو أن تلك الجهود قد أثمرت، وبعد أن نفت إيران مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت شركة أرامكو السعودية اقتنع الاتحاد الأوروبي بدعم تأكيدات بومبيو المناقضة، ثم تعثرت إيران ولا يبدو أن فريق الرئيس ترامب للأمن القومي سيضيع الفرصة لاستخدام تلك الغلطة لمصلحة الولايات المتحدة. ومن المفيد التركيز على الهجمات التي قامت بها إيران في الآونة الأخيرة والاستنتاج بأن قادتها أصبحوا أكثر اندفاعاً وعدوانية، ويقول الخبير والتر راسل ميد إن إيران حرصت على عدم مهاجمة القوات الأميركية أو شن ضربات رعب ضد الأراضي الأميركية أو أطلقت النار على زوارق ترفع علم الولايات المتحدة، ولا تدخلت في عمليات تجارة النفط، بما يكفي لإحداث هزة في أسعاره في الولايات المتحدة، كما أن طهران حرصت على عدم تحقيق تقدم كبير في برنامجها النووي يوحي بإمكانية الحصول على القنبلة في وقت قريب، ولم تعمد الى غزو دولة تعهدت الولايات المتحدة بالدفاع عنها.

وقد تكون إيران متهورة لكنها لم تقدم على عمل طائش حتى الآن، وإذا فعلت فسيتعين على الرئيس ترامب أن يظهر لها وللآخرين تبعات مثل ذلك التصرف.

يقول الدبلوماسيون الأميركيون إن الهدف هو إرغام إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإن الولايات المتحدة لن ترتكب الخطأ الذي اقترفته في عهد الرئيس السابق باراك أوباما في تخفيف العقوبات قبل أن تغير إيران سلوكها، وإذا انتهى الوضع الى عودة الولايات المتحدة وإيران الى طاولة التفاوض وضمان زوال خطر امتلاك طهران سلاحا نوويا فسيكون ذلك جيداً، ولكن حتى اذا لم يتحقق ذلك فإن عزل إيران وتعطيل قدرتها على نشر النزاعات في الخارج سيكون رهاناً أفضل من خطة أوباما في التعامل الناعم مع طهران.