"حابي" رواية جديدة للأديب طالب الرفاعي، تمس مسألة حساسة في مجتمع شرقي محافظ، هي جديدة لأنها آخر عمل له حالياً، وهي كذلك، لأنها تطرقت لأمر مسكوت عنه، وهو عملية تصحيح الجنس كما تُطلق عليه دوائر الإفتاء الديني.

ماذا يعني صدور مثل هذا العمل الأدبي الجريء والرائد؟ نبدأ بقول الآتي: هي رائدة لأنها أول عمل أدبي كويتي يناقش هذه المسألة في متن أدبي كامل، وليس مروراً به أو ذكره في جنبات أسطر رواية، وهي مُميزة لأنها فتحت "مجالاً" جديداً أقل صخباً لتناول قضية صحية- نفسية- اجتماعية عبر معاناة حقيقية لفتاة تحمل كامل مقتضيات التحول لشاب، هذا "المجال" هو الأدب والرواية تحديداً، وبعيداً عن صخب السياسيين وتشريعاتهم المتوترة التي لمسناها في قانون "التشبه"! وبعيداً عن التناول الاجتماعي الكويتي لها، والذي غالباً ما يتلبَّسُه الكُره والاستهزاء والإقصاء.

Ad

"حابي" رواية نعم، لكنها كعمل أدبي تصلح بلا مواربة لأن تكون أمام عيون المشرعين لقراءتها وطلبة الطب لاكتشاف حجم معاناة المتورطين في "سجن الجسد"، والعائلة الصغيرة والمجتمع والمحاكم ومؤسسات الدولة التي لم تستوعب مثل هذه المحنة النفسية الطبية بعد، وهو ما يعكس أقصى درجات الجهل والتجاهل المتعمد لأشخاص يتمنون الخروج من كوكب الأرض لينهوا معاناتهم.

عملية تصحيح الجنس واجهتها بكل جرأة دولتان تعتمدان الدين قوام نظامهما السياسي، إيران والسعودية، وهناك إحصاءات سنوية لعميات تصحيح الجنس تجري بكل هدوء بناء على فتاوى شرعية أصدرتها هيئات دينية عليا، وتقارير طبية لا غبار على دقتها. يمر مضطرب الهوية الجنسية بمعاناة لا يمكن تخيلها لبشر عادي، أنثى كان أم ذكرا، تبدأ من سن مبكرة، ثم مرحلة التثبت وما يلحقه من زلزال نفسي داخل البيت، ثم في المدرسة والجامعة ومقر العمل والمجتمع كافة، وتعامل القانون المحلي في مسألة التصحيح، حيث لا يزال تشريع التصحيح غير موجود في الكويت في مقابل قبول المنظومة القضائية الكويتية بالتصحيح بناء على تقارير طبية من مستشفيات خارجية موثوقة.

"حابي" عمل إنساني رفيع يسهم في إرساء نقاش وتفاعل عقلاني لموضوع الاضطراب الجنسي الذي لا يخلو من أي مجتمع في أي زمن، وهو جهد ذهني حيك بذكاء ليقدم كـ"هدية ذهنية" لمجتمع مُوجه بشكل نمطي تجاه مسائل كهذه. "حابي" موقف أدبي جريء، بعيد عن الإثارة، يهدف إلى تشجيع الحوار حول مثل هذه القضايا التي يعجز الكثير ممن يتصدرون المشهد العام الحديث حوله.

"حابي" حجر سقط في بركة ماء راكد، أتمنى أن تصل ارتدادات موجاتها إلى أروقة كليات الطب والشريعة والعلوم الاجتماعية والنفسية، بين الطلبة والأساتذه، وإلى المشرع في مجلس الأمة ومجلس الوزراء. شكراً للروائي طالب الرفاعي الذي استحضر "حابي" صاحب أو صاحبة الصرخه المؤلمة نحو الحقيقة، وشكراً للأدب الملتزم.