مازالت الحكومة مهمومة بحكاية التغريدات الموهومة أو المسيئة، وتفكّر وتدبِّر للمزيد من التشريعات والنصوص الجزائية الخانقة، هذه السلطة بدولة المتنفذين "الأوليغارشية" (دولة الاحتكار والفساد العميقة)، تريد أن تظهر ذاتها بالصورة الملائكية الطاهرة العادلة التي تريد القضاء على هذه "التغريدات" المسيئة، كأننا لا ندري من يقف وراءها ويمول أصحابها بآلاف الدنانير، وأضحى عدد من المغردين من أصحاب الأسماء المستعارة الأراجوزية هم في حقيقتهم مخالب القط لشخصيات رسمية كبيرة في السلطة، تأمر وتنهى وتعيث في الدولة فساداً، ووجدت تلك الشخصيات الكبيرة في هؤلاء "الوهميين" المرتزقة ضالتها لتصفية حسابات وصراعات سياسية في جوف السلطة.

المطلوب في ثقافة المزايدة السلطوية حقيقة ليس الحسابات الوهمية أو أصحابها، كما يقول ويروج إعلام السلطة، بل رؤوس العديد من المغردين من دعاة الحرية الذين هم في دائرة المضايقات والتهديد بالملاحقات القانونية، المطلوب قمع هؤلاء الأحرار لا تقليم مخالب القط السلطوية، المطلوب أن يكون "تويتر" و"فيسبوك" وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي صورة كربونية لصحافتنا المطبوعة تجامل وتداهن السلطة وأرباب الدولة العميقة، فيصبح فضاء الإنترنت هنا دنيا من الظلام، وخواء يسبح فيه فقط بوسطجية أهل النفوذ في السلطة بكل صورها، المطلوب إذن أن تكون التغريدات مجرد إعادة صياغة لجريدة "الكويت اليوم".

Ad

هيومن رايتس ووتش نشرت قبل فترة رأيها في واقعنا حول حريات الضمير بالكويت، والتي تم وأدها تماماً في السنوات الأخيرة، بتوافق وتناسق تامين بين الحكومة ومجلس بؤسها التشريعي، تقول نشرة هيومن رايتس: "تعتبر الكويت فيما مضى البلد الأكثر تسامحاً، لكن منذ تسببت أزمة سياسية في مظاهرات حاشدة وأدت في النهاية إلى استقالة الحكومة في 2011، تكرر تذرع مسؤولي الكويت ببنود غامضة الصياغة من قانون العقوبات، وقانون الأمن الوطني لقمع حرية التعبير".

هل انتهينا إلى مثل ما وصف به حاله الأستاذ صاغية، حين صرح مرة: "... أعمل منذ أربعين عاماً لمصلحة صحف عربية، ولم أعد أشعر بالقيود، بعدما أصبحت جزءاً مني. نشعر بألم وتفاهة هذه الرقابة الذاتية التي كرست فينا لسنوات ممتدة، نشعر بهذا الإرهاب الفكري الصامت، نشعر بعجزنا حين نطالع أحكاماً وصلت مدد السجن فيها لمغردين إلى عشرات السنين، ولا نستطيع أن نفعل لهم شيئاً.

زميلنا فهد راشد المطيري قال بحرقة في تغريدة: "... خبر طازج للصحافة البائسة واللامبالين: هناك شباب يقبعون في السجن لأكثر من شهرين! لم يسرقوا، لم يقتلوا، لم يعتدوا على أحد، بل طالبوا فقط بحقوقهم...". مثل فهد المطيري وغيره من الأحرار هم المطلوب قمعهم، وليس بوسطجية الرؤوس الكبيرة بـ "تويتر"... فكفى رياء.