عزمت الآنسة «إشاعة» على الهجرة من ديار المصداقية والتيمم صوب أرض أخرى توفر لها الحد الأدنى من طموحها، بدلا من البطالة التي تعيشها في بلاد المصداقية والشفافية والوعي المجتمعي، وهكذا خرجت تبحث عن الأرض الموعودة تراودها الأماني بإيجاد أرض مناسبة لأخبارها لتعيش فيها كالأرضة بسبات ونبات، وتخلف منشنات ورتويتات، وفي الطريق صادفت الآنسة إشاعة سوشيالياً ميدياً يبدو عليه وعثاء السفر، ويعلوه غبار الطريق، فحيته مرحبة به ثم سألته: من أي البلاد هو؟ فرد مجيبا: من بلاد النت وتوابعها تويترستان وسنابيا واتسابلاندا، فدعته للجلوس ومشاركتها طعامها.

وبعد أن أكلا توجهت إشاعة له بالسؤال عن حال بلاده، فقال: هي بلاد واسعة أولها في منابت الجليد الجنوبي وآخرها في كهوف دببة القطب الأعظم، وشرقها بحر الصين، وغربها أنهار اللاتين، قصورها فارهة بنيت على «الطراز الفلورزي العظيم» وشوارعها واسعة مزخرفة، يقال لها «التايم لاين»، ثم أردف قائلا: والله يا آنسة إشاعة والله لولا فقر الجيجات لذكرت لك عن بلاد النت الكثير والكثير، ابتسمت إشاعة، وقالت: لا بأس دع عنك أوصاف الحجر والشجر والمدر وحدثني قليلا عن أخبار البشر في بلادكم، فرد قائلا: وعن أي شيء تسألين؟ قالت: كيف يتعاملون مع الأخبار مثلا؟ هل يمحصون ويستفسرون ويسألون عن أصلها وفصلها ومرجعها أم يقبلون بها كما هي وعلى عواهنها؟

Ad

تبسم السوشيالي ميدي وقال: يبدو أنك لا تعرفين بلادنا يا آنستي، إنها وبلا فخر تعتبر وبلا منازع جنة الأخبار حتى أنك تستطيعين تسميتها ببلاد الحلم الإخباري على وزن الحلم الأميركي، كما أن لدينا في بلاد النت نظاما يشبه الشنغن الأوروبي بين مقاطعاتنا، ويستطيع أي خبر مسافر إليها عبر الوديان والبحور أن يتنقل من مقاطعة «حلوم أم العلوم» إلى مقاطعة «عاجل» بدون أي جواز أو تفتيش أو عرقلة، كما يستطيع أيضا الإقامة في مقاطعة «يقولون»، حتى إن كان عنوانه المدون هو مقاطعة «جمبازي» وهكذا، فرحت إشاعة بما قاله السوشيال ميدي عن بلاده، وطلبت منه مستعطفة أن يصطحبها فورا إلى هناك، وافق السوشيال ميدي بسرور، ورافق إشاعة ليدخلها بلاد النت عبر سور الثقة.

بعد مدة وجيزة استطاعت الآنسة إشاعة أن تكسب ثقة كل السوشيال ميديين في بلاد النت، ونمت تجارتها وربت ثروتها حتى احتكرت وكالة عاجل، وامتلكت محلات كثيرة كمحل «بخور أم ناصر» وقهوة «ملاغات السفيه» ومكتب «هرج الهبيل والديش» وغيرها.

وبعد ١٠٠ عام وجدت عالمة آثار مخطوطة أثناء بحثها في خرائب وأطلال ولاية تويترستان المفقودة في بلاد النت، وبعد أن فتحتها وفكت طلاسهما وجدت نصا كتبه سوشيال ميدي مجهول جاء فيه: «أمنياتي السعيدة، لم يعد الأمان متوفرا لنا هنا، فقد صرنا وحوشا تنهش لحمها وضباعا تسرق أم عامرها، أصبحت أعراضنا صيدا، ومستقبل بلادنا غنيمة، وصار كل شيء مباحاً هنا، وحتى وريد صدقنا الذي يمد قلبنا بالحياة قطعناه، ولم يسلم منا، تحول الكل ضد الكل ولا أحد مع الوحدة، هرج ومرج عظيم أراه أمامي الآن في شوارع تويترستان وسنابيا وواتسبلاندا، الحرائق في كل مكان حتى ماء الحياء احترق، وخرج منه الدخان، ولم يبق ما نأسى عليه، الهواء صار ملوثا برائحة الكراهية المنتنة، والتراب تحثوه في وجوهنا عظام أجدادنا، فيلحفها غبار العار، لم يعد أمامنا الوقت الكثير كل ما حولنا يتداعى وينهار خاصة بعد تصدع سد العقل وزمجرة سيل العرم المليء بالأكاذيب والبغض وطحالب الإمعات والرويبضات، وا أسفاه يا أمنياتي، لكم تمنيت لو أنني لم أدخل إلى بلادي يوما تلك الفأرة المخادعة التي قرضت سدنا بهدوء، ليتني لم أعرفها، وليتني لم أقابلها أبداً في سفري... انتهى كل شيء وداعا».