من الضروري أن تكون أسماء وعناوين كتّاب المقالات والمدونين في وسائل الاتصال المختلفة معروفة، وهذه من البدهيات الشرعية والعقلية أيضاً، إذ لا يعقل أن يبث من يختفي وراء أسماء وهمية أخباراً خطيرة دون أن يعلم المجتمع مصدرها ومدى صحتها، خاصة إذا كانت هذه الأخبار تتناول قضايا مصيرية في المجتمع، وتدعو المواطنين إلى اتخاذ مواقف واتجاهات معينة من مؤسسة الحكم أو الحكومة أو تجاه أشخاص بارزين في السلطات الثلاث أو تضر بالاقتصاد أو بعلاقة الدولة مع جيرانها! كما لا يعقل أن ينشر مجهول الأكاذيب والإشاعات المغرضة التي توقع العداوة بين فئات المجتمع وأن يفلت من العقاب!

وأيضاً ليس من المعقول أن يقوم حساب غير معروف بالإساءة إلى مواطن أو مسؤول متعرضاً لكرامته أو لأسرته أو سمعته الشخصية أو المالية ثم لا يستطيع هذا المتضرر الوصول إليه لمقاضاته، كما لا يجوز أن يجبن مسؤول أو متنفذ عن إعلان اسمه فيقوم برشوة شبيح لكي ينشر الأقذار عن خصومه ومنافسيه.

Ad

كل هذه الأفعال تمارس اليوم في الكويت بحجة حرية الرأي والتعبير رغم مخالفتها للشرع والدستور وحقوق الآخرين والمصلحة العامة، وما منعهم من إعلان أسمائهم إلا أنهم يريدون إخفاء انتمائهم ونواياهم، ولو كانوا صادقين لأعلنوا أسماءهم وأتوا بأدلتهم ولتقدموا إلى هيئة مكافحة الفساد بسرية تامة أو للنيابة العامة، وذلك لأن في الشرع الحنيف وفي علم الحديث لا تقبل رواية المجهول، وهي القاعدة التي وضعها علماء الحديث للتخلص من الدسائس على ديننا الحنيف، وكذلك أمرنا ربنا بالتثبت قبل تصديق أو نقل الأخبار "فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع". (صحيح مسلم)، وحذرنا من الشتائم والكذب والغيبة والنميمة وجميع أنواع الإساءة إلى حرمة المسلم فقال: "إن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً".(صحيح الترغيب)، وحتى إذا فرضنا أن هناك نفعاً من بعض الحسابات الوهمية فإن ضرر الغالب منها يفوق هذا النفع القليل، ومن المعلوم شرعاً أن ما كان ضرره أكبر من نفعه فإنه يحرم شرعاً.

كل هذه الممارسات حرمها الله تعالى حتى لو كانت صادرة بأسماء وعناوين معروفة، فما بالك إذا اختفى فاعلوها وراء أسماء أو علامات وهمية؟ فلا شك أن الجريمة هنا تكون أشد وأفتك بالمجتمع وأشبه بما كان يفعله المنافقون والمرجفون في المدينة المنورة في السنوات الأولى للهجرة النبوية.

إن ما ينشر في وسائل التواصل أصبح يسيطر على توجهات واقتراحات مجلس الأمة الاستنزافية في ظل غياب تام للدور الحكومي الذي كان عليه أن يغرق وسائل الاتصال بالحقائق السياسية والمالية، ولا يترك الشعب فريسة لوحش الأكاذيب والمؤامرات التي تسلقت إلى أعلى قمة الهرم السياسي مروراً بأصغر لبنات الأسرة فيه.

وقد أخبرني بعض الإخوة المحامين أن كثيراً من الشكاوى تتوقف لعدم توصل مباحث الجرائم الإلكترونية لمعرفة صاحب الحساب الوهمي رغم أنهم قد نجحوا في معرفة أسماء آخرين، وهذا يثير الاستغراب! كما علمت من أحد الإخوة البارزين في مجلس الأمة أن شركات التواصل تشترط صدور قانون محلي لتزويد الدولة بالأسماء الحقيقية لأصحاب الحسابات.

وبدون الدخول في التفاصيل الفنية يبقى أن على الحكومة والمجلس أن يتوصلا إلى معرفة من يقف وراء الحسابات الوهمية وإيقاف هذه الحسابات، ومحاكمة كل من كانت كتاباته تشكل جريمة حتى لو اقتضى الأمر إصدار قانون خاص لذلك حتى لا يكثر المرجفون، ويطغى الإرجاف على ما تبقى من سلامة الدولة ومستقبل العمل السياسي فيها.

• للأسف أصر كل من عبدالحميد دشتي وأنور الرشيد ولم يستمعا للنصيحة التي وردت في مقال الأسبوع الماضي، وهما كما يبدو ماضيان في الإساءة والشكوى على بلدهم الكويت في بعض المحافل التي تتدخل بلا فهم ولا معرفة بمنظومتنا الشرعية والقانونية، لذلك فإن على الحكومة أن تبادر بالرد المناسب على كل من يسيء إلى سمعة الكويت ومكانتها وتفعيل القوانين والإجراءات المناسبة لفعلهم هذا، حماية لاستقلال الكويت قضائياً وتشريعياً.