ثمة مشكلة في الكويت يواجهها الباحثون والمستثمرون، ومعظم المهتمين بالشأن الاقتصادي، تتمثل في محدودية البيانات الإحصائية، والمؤشرات الاقتصادية، لا في عددها أو حداثتها فحسب، بل في أزمة غياب العمق والتحليل.

فمن المعروف أن أي قرار اقتصادي حكومي أو خاص لابد أن يستند إلى مجموعة من البيانات، أو المؤشرات الحديثة والتفصيلية، التي يفضل أن تعود كلها إلى مرجعية إحصائية واحدة تضمن الاعتماد على الإحصاء في قياس وتحليل حاجات ورغبات المستهلكين والمستثمرين وغيرهم تجاه سلعة أو قضية معينة، وصولاً إلى ما يعرف بعلم الاقتصاد القياسي، الذي يحلل الفرضيات الاقتصادية مع اختبارها إحصائياً، ويستخدم في الغالب لفهم الارتباط والعلاقة بين المتغيرات الاقتصادية مثل التكاليف والأسعار والتنبؤات المستقبلية والتخطيط للمدى الطويل.

Ad

ولعل الاقتصاديات العالمية كلها تعتمد على البيانات والمؤشرات بشكل شبه أسبوعي وشهري في فهم العديد من المتغيرات الخاصة بسلوكيات وأبعاد السوق، مثلما يوجد في الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا مؤشرات أقصى معدلات دورية، معظمها ربع سنوي، تهتم بثقة المستهلكين، وثقة رجال الأعمال، ومبيعات التجزئة، وبيانات البطالة، وطلبات المصانع، ومخزون الشركات، ومبيعات المنازل، والإقبال على السلع المعمرة، وغيرها الكثير من المؤشرات التي تجعل راسمي السياسات كالبنوك المركزية، إلى جانب المستثمرين والمستهلكين، أقدر على فهم متغيرات السوق والاقتصاد بشكل عام.

استنتاج لا استنساخ

بالطبع لن يعالج استنساخ معظم المؤشرات والبيانات أعلاه الناتجة عن اقتصاديات صناعية علة اقتصاد استهلاكي أو ريعي كالاقتصاد الكويتي، ولكن يمكن استنتاج العبر وأهمية الاعتماد على البيانات والمؤشرات في الاقتصاد، ففي الكويت ثمة مجموعة من الملاحظات على العمل الإحصائي، الذي يرتد سلباً على متخذ القرار في القطاعين العام والخاص، وأولى هذه الملاحظات تتمثل في تشتت مرجعية البيانات المقدمة إلى الجمهور ما بين الإدارة المركزية للإحصاء، وهيئة المعلومات المدنية، وبنك الكويت المركزي، ووزارتي التجارة والمالية، والعديد من الجهات الأخرى، مما يعرض هذه البيانات للتضارب، ويفقدها البُعد التحليلي الخاص بالعلاقة بين المتغيرات الخاصة بها، فمثلاً هيئة المعلومات المدنية تقدم أرقاماً معينة وحديثة عن السكان وسوق العمل، مع إهمال «الإحصاء» تحليل هذه البيانات، مع أبعاد اقتصادية مهمة جداً في الكويت كالتركيبة السكانية، أو سوق العمل.

ومن الملاحظات على البيانات والمؤشرات في الكويت، خصوصاً المنشورة على موقع «المركزية للإحصاء»، أن شريحة منها قديمة رغم أهميتها في قياس اتجاهات الاقتصاد، فمثلاً نجد أن بيانات آخر مسح للدخل والإنفاق الأسري في الكويت يرجع إلى عام 2013 في دولة تدعي الإدارة العامة فيها أنها تواجه المطالب الشعبوية الخاصة بالمزايا المالية من المجتمع والبرلمان، مما يفتح المجال للتساؤل حول مدى جدية مواجهة هذا النوع من المطالب، إن لم تتوافر البيانات الحديثة أصلاً!

اختلال التضخم

حتى حساب الأرقام القياسية لأسعار المستهلك (التضخم)، وهي بالمناسبة حديثة، ويعود آخر نشر لها إلى يوليو الماضي، يعاب عليه وجود اختلال جوهري في حساب أوزان مجموعات التضخم، إذ إن ما يتجاوز ثلث الوزن (33.2 في المئة) فيها لمجموعة السكن، التي لا تمسح أصلاً إيجارات السكن الخاص في دولة يفوق عدد الطلبات الإسكانية فيها 85 ألف طلب، إلى جانب عدم شمول مجموعة الغذاء البالغ وزنها 16.7 في المئة من حجم أوزان حساب التضخم للتغيرات الكبيرة في قطاع الأغذية المحلي خلال السنوات القليلة الماضية من حيث بروز شركات التوصيل، أو التوسع في قطاع المطاعم والمقاهي ونحوهما، مما دعا «الإحصاء» إلى إصدار قراءتين للتضخم، الأولى مع مجموعتي «المسكن والغذاء» والأخرى من دونهما... أي اننا في مجموعتي المسكن والغذاء نواجه اختلالاً يلامس 50 في المئة من آلية احتساب التضخم.

وإذا كانت هناك بيانات حديثة تابعة لـ «الإحصاء» كإحصاءات التجارة الخارجية، أو الإحصاءات الزراعية والسمكية، وإن غاب عنها عمق التحليل، فإن هناك بيانات قديمة تقلل من قيمة الأرقام فيها، فعندما يكون المسح الإحصائي لقطاع معين «سنوياً» فإنه يتعين الحرص على إصدار البيانات مع حلول السنة الجديدة، لذلك فإن البيانات المنشورة لإحصاءات التكنولوجيا والاتصالات والنقل والمواصلات والبيئة تعود إلى عام 2017، رغم اقتراب انقضاء 2019 تجعل بياناتها قديمة إلى حد كبير، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه القطاعات ترتبط بمشاكل خدمية وصحية عديدة، أساس حلها ينطلق من الأرقام والإحصائيات.

بيانات «المركزي» والحاجة إلى التطوير

لا تقتصر مشكلة البيانات في الكويت على الإدارة المركزية للإحصاء، بل تمتد إلى بيانات بنك الكويت المركزي من ناحيتين، الأولى حداثتها مقارنة بحجم التطور التكنولوجي في القطاع المصرفي خلال السنوات الأخيرة، فمثلاً عندما يعلن «المركزي» بيانات القروض في أغسطس عن يونيو الماضي، فإن فائدة المعلومة تكون ضعيفة، خصوصاً لمن يريد أن يتخذ قراراً بناء على حجم التسهيلات الموجهة إلى القطاع العقاري، أو تلك الموجهة لشراء الأوراق المالية (الأسهم).

أما الناحية الأخرى فتتعلق بدقة البيانات المنشورة من «المركزي» فيما يتعلق بحجم ما يعرف بـ «ودائع القطاع الخاص»، والتي تبلغ قيمتها، حسب آخر إفصاح، 37 مليار دينار، والتي لا يبين فيها «المركزي» حجم ودائع الجهات الحكومية المصنفة كقطاع خاص مثل مؤسسة البترول، و«التأمينات الاجتماعية»، وهيئة شؤون القصر، والأمانة العامة للأوقاف، فضلاً عن الشركات الحكومية التابعة للهيئة العامة للاستثمار فيها، مما يسبب خلطاً لدى الباحثين والاقتصاديين والمستثمرين فيما يتعلق بحجم ودائع القطاع الخاص الفعلي، ومدى الإقبال على الودائع.

ولعله من الأجدر في هذه الحالة تفصيل هذه الودائع على نحو أكثر وضوحاً بتقسيمها بين ودائع شركات وجهات شبه حكومية، وودائع شركات خاصة، وودائع أفراد، كي يتبين اتجاه السوق بشكل أدق.

مؤشرات حديثة مطلوبة

الحاجة أكبر مما هو بديهي بأن تكون البيانات والمؤشرات الاقتصادية بالكويت حديثة وعميقة، لأنه من المفترض أن تكون هناك مؤشرات أخرى غير الموجودة حالياً تقدم للمهتمين قراءات أكثر وضوحاً وتفصيلاً عن الشأن الاقتصادي كمؤشرات جديدة لاحتياجات سوق العمل يستفاد منها لرسم سياسات التعليم، أو مؤشر آخر لسوق المشروعات الصغيرة، كي لا تنحصر في نشاط واحد أو نشاطين، وكذلك مؤشر لتعاملات شركات «الخاص» البينية مع نظيراتها في القطاع مقابل التعامل مع القطاع العام، مما يعطي جانباً من الثقة في قطاع الأعمال من عدمه، فضلاً عن وجود مؤشرات أو بيانات لحجم المناقصات في الدولة وطبيعتها، وأنواعها (وهو بالمناسبة كان يصدر حتى قبل عامين بشكل ربع سنوي وتوقف نشره دون بيان الأسباب)، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة قراءة السوق من حيث التضخم، أو اتجاهات المستهلكين عند إجراء أي تغيير جوهري في الأسعار أو الخدمات، فمثلاً لم تصدر حتى اليوم أي دراسة رسمية علنية لاتجاهات المستهلكين، بعد قرار رفع سعر البنزين في الكويت قبل 3 سنوات، مما يدل على أزمة في فهم البيانات، وأهمية المؤشرات، ورصد الاتجاهات لدى صانع القرار.