على وقع نزاع أميركي- إيراني لم يهدأ منذ عدة أشهر، صعّدت إسرائيل المواجهة مع طهران، ووسعت دائرتها، لتشن واحدة من أكبر العمليات الأمنية في لبنان منذ حرب يوليو 2006.

ومن العراق، الذي أصبح مؤخراً لاعباً أساسياً في المعادلة الأمنية، إلى التلويح بالتدخل في اليمن وباب المندب، وفقاً لما كشفته «الجريدة» قبل أيّام، ضربت إسرائيل مجدداً مواقع إيرانية في سورية، زاعمة أنها أحبطت هجوماً أعده «فيلق القدس» وميليشياته لاستهدف مواقعها باستخدام طائرات مسيّرة (درون) محمّلة بالمتفجرات، تزامناً مع مهاجمتها «حزب الله» في معقله بالضاحية الجنوبية لبيروت بطائرتين مسيرتين.

Ad

ورغم أن انتخابات إسرائيل على الأبواب، والتضخم الإقليمي لدورها الأمني والعسكري قد يكون طوق نجاة لرئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ولصفقة القرن المتعثرة، ربط مراقبون هذا الحراك الإسرائيلي العسكري من «صلاح الدين» في العراق إلى الضاحية الجنوبية في بيروت بحملة الضغوط القصوى لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران، حتى شبه البعض الدور المستجد لتل أبيب بأنه الذراع العسكرية للرئيس الجمهوري الذي تحُول عوائق سياسية وانتخابية واقتصادية دون دفعه القوات الأميركية إلى الانخراط في أعمال عسكرية كبرى بالمنطقة.

وفي إقرارٍ نادراً ما يحدث سريعاً، أعلنت إسرائيل تنفيذها سلسلة غارات جديدة في سورية لمنع محاولة «فيلق القدس» من شن هجوم يبدو أنه رد على قصف مقار الحشد في العراق، باستخدام طائرات مسيّرة (درون) محمّلة بالمتفجّرات، مؤكدة رفع الجاهزية القتالية للرد على أي تطوّر وإغلاق المنطقة الجوية فوق هضبة الجولان.

ووفق الجيش الإسرائيلي، فإن هجومه استهدف منشآت عسكرية لفيلق القدس في بلدة عقربا جنوب شرق دمشق، مؤكداً أن «التهديد كان كبيراً، وهذه الطائرات المسيّرة القاتلة كانت قادرة على ضرب أهداف بقدرة عالية».

وبينما اعتبر الجيش الإسرائيلي أن استخدام الطائرات الانتحارية المعدّة للانفجار عند بلوغها أهدافها يشكل «تكتيكاً إيرانياً مختلفاً وجديداً»، أشاد نتنياهو بالجهد الضخم لقواته وإحباطه هجوم «فيلق القدس»، مشدداً على أنه «لا حصانة لإيران في أي مكان، وقواتنا تعمل في كل القطاعات في مواجهة عدوانها».

ووسط أنباء عن استهداف طائرة مسيرة نقطة أمنية للحشد الشعبي في مدينة القائم العراقية ومقتل اثنين، شدد نتنياهو على أنه لن يسمح لأي دولة في المنطقة، مهما كانت، بشن هجمات على إسرائيل، محذراً أن «كل دولة ستسمح باستخدام أراضيها ستتحمل النتائج، وسنكشف النقاب من الآن فصاعداً عن كل محاولة تقوم بها إيران لمهاجمتنا والاختباء وراء ذرائع مختلفة».

وفي لبنان، أعلن الجيش اللبناني سقوط طائرتين إسرائيليتين مسيرتين فجر أمس في معقل «حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد وقت قصير من تأكيد الحزب أن إحداهما انفجرت وألحقت أضراراً بمركزه الإعلامي.

وفي حين عملت وحدات الجيش على تطويق مكان سقوط الطائرتين وتولت شرطته العسكرية التحقيق في الحادث بإشراف القضاء المختص، توالت ردود الفعل المستنكرة للحادث، إذ اعتبر الرئيس ميشال عون أن «اعتداء إسرائيل عدوان سافر على سيادة لبنان وسلامة أراضيه وفصل جديد من فصول انتهاكاتها المستمرة ودليل إضافي على نياتها العدوانية واستهدافها للاستقرار والسلام في المنطقة».

ووصف رئيس الحكومة سعد الحريري سقوط الطائرتين بأنه «اعتداء مكشوف على السيادة اللبنانية وخرق صريح للقرار 1701»، في حين وجه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل تعليمات إلى مندوبة الأمم المتحدة، للتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن بسبب الخرق الجديد لسيادة لبنان من قبل إسرائيل.

وقبل خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، أكد مسؤوله الإعلامي محمد عفيف عدم إسقاط الحزب أي من الطائرتين، موضحاً أن «الأولى التي لم تنفجر، يعمل الحزب على تحليل خلفيات تسييرها والمهمات التي حاولت تنفيذها».

ولاحقاً، توعد نصرالله سكان شمال إسرائيل بعدم الراحة والاطمئنان لحظةً واحدة، مؤكداً أنه «من الآن فصاعداً سيواجه الطائرات المسيرة عندما تدخل إلى سماء لبنان ويُسقطها».

وخاطب نصرالله الجنود الإسرائيليين: «قفوا جانب الحائط وانتظرونا»، مشدداً على أن «ما حصل من قصف على دمشق ومقتل لبنانيين فيها لن يمرّ مرور الكرام». وأضاف: «أيها الإسرائيليون، نتنياهو يخوض حملة انتخابية بدمائكم، فهو يأتي إليكم بالنار العراقية والسورية واللبنانية، لأنه خائف من نتائج الانتخابات وخائف من مواجهة ملفات الفساد، نتنياهو يقودكم إلى الهاوية».

وفي تغيير جوهري في سياسة إسرائيل الصامتة عن تبني أي هجمات بالمنطقة، لم يتردد نتنياهو في تأكيد مسؤوليته المباشرة عن استهداف مخازن الحشد الشعبي أكثر من مرة شمال وجنوب بغداد، مؤكداً أنه يعمل على مواجهة تموضع إيران بالمنطقة.

وكانت «الجريدة»، في عدد الخميس الماضي، كشفت، عبر مصدر مطلع، عن خطط إسرائيلية لضرب منشآت ومواقع حساسة لجماعة الحوثي اليمنية و«حزب الله» اللبناني، قرب مضيق باب المندب الاستراتيجي، إذ أشار المصدر إلى رصد الاستخبارات العسكرية لإسرائيل تحركات كثيرة ومحاولات نقل أسلحة وقطع صواريخ ومنصات وقوارب مسيرة، إلى جانب طائرات مسيّرة من إيران، للقيام بعمليات ضد حركة الملاحة من البحر الأحمر وإليه، قبالة السواحل اليمنية المطلة على باب المندب.