تأجج التوتر واشتعل الوضع أكثر من سبعة عقود بسبب كشمير، المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين الهند وباكستان. لكن في وقتٍ سابق من هذا الشهر، قررت الحكومة الهندية تجريد تلك المنطقة الخاصة من استقلالها الذي حصلت عليه بموجب دستورها منذ أن أصبحت شبه مستقلة في عام 1947، وفرضت حصاراً عسكرياً فيها لمدة أسبوعين، وكما كان متوقعاً رفضت باكستان هذه الخطوة، علماً أنها تعتبر المنطقة ملكاً لها وقد خاضت ثلاث حروب مع الهند.

سرعان ما تدخلت الصين ودعت إلى عقد سلام متعدد الأطراف.

Ad

قد تكون رغبة بكين في التدخل لإرساء السلام بين بلدَين يواجهان مشاكل على مستوى الحكم خطوة مفاجئة، نظراً إلى تركيز المجتمع الدولي راهناً على الاحتجاجات المحتدمة والمنادية بالديمقراطية في هونغ كونغ، لكن في 16 أغسطس، عقد مجلس الأمن اجتماعاً لمناقشة موضوع كشمير، وهو الأول من نوعه منذ أكثر من 50 سنة، وطلبت باكستان تنظيم هذا الاجتماع، بدعمٍ من الصين التي استعملت صلاحية عضويتها الدائمة في مجلس الأمن.

لم يقتصر اجتماع المجلس على «مشاورات مغلقة» وتم إرجاؤه بعد 90 دقيقة من دون إصدار بيان رسمي، لكن صرّح سفير الصين لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، أمام وسائل الإعلام بعد الاجتماع بأن أعضاء المجلس عبّروا عن قلقهم الشديد من أزمة كشمير، بما في ذلك وضع حقوق الإنسان هناك. وأضاف أن كشمير، من وجهة نظر الصين، مسألة دولية ولا بد من حل النزاع فيها سلمياً، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتفاقيات الثنائية، مع أن دلهي تعتبر تلك المنطقة مسألة هندية داخلية ويُفترض ألا يتدخل فيها أي بلد آخر.

من الواضح أن الصين تريد أداء دور دولي مؤثر وتهتم بحفظ السلام، لا سيما بين الدول المجاورة لها، على غرار الهند وباكستان، لكن هذا التوجه يختلف عن المسار السائد منذ أربعة عقود، حين فضّلت الصين الابتعاد عن الساحة الدولية. أما اليوم، فتؤدي الصين في عهد الرئيس شي جين بينغ دوراً أكثر تأثيراً لحفظ السلام، وفي حين تعتبر بكين باكستان صديقة «جميع المواسم» وتستمر محاولاتها لتحسين العلاقات مع دلهي، تشكّل أزمة كشمير اختباراً محورياً في خضم هذه الجهود المستجدة. حتى أن بلداناً أخرى بدأت تلجأ إليها لحل خلافاته، فسرت أنباء مفادها أن الصين قد تسهم في نزع فتيل التوتر بين كوريا الجنوبية واليابان، صحيح أن هذين البلدين حليفان للولايات المتحدة، لكنهما أقرب جغرافياً إلى الصين، وتهتم البلدان الثلاثة بتوثيق التعاون الاقتصادي في ما بينها، وهو هدف مستحيل في ظل الأجواء العدائية الراهنة بين سيول وطوكيو. وفي حين كانت الولايات المتحدة تتفاوض مع حركة «طالبان» لتسهيل الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان، تحرك الدبلوماسيون الصينيون بدورهم واستضافوا وفداً من «طالبان» لمناقشة عملية السلام في أفغانستان خلال شهر يونيو، فقد أعلن لو كانغ، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، أن الصين تدعم الشعب الأفغاني لحل مشاكل البلد عن طريق المحادثات وتنوي تقديم المساعدة اللازمة لتفعيل الحوار.

يتّضح الثقل الاقتصادي والدبلوماسي الصيني في دعم بكين المتواصل للاتفاق النووي الإيراني، رغم انسحاب الولايات المتحدة منه في السنة الماضية بقرارٍ من الرئيس ترامب.

نتيجة هذه الخطوة، يسود انطباع عام بأن ترامب يُجرّد الولايات المتحدة من دورها التقليدي المرتبط بحفظ السلام العالمي. لم يُحسّن ترامب موقفه في أزمة كشمير حين عرض في الشهر الماضي أداء دور الوسيط بين باكستان والهند، فطرح اقتراحه فجأةً خلال زيارة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، ثم أعلن أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي طلب مساعدته، ولكن بعد ساعات قليلة، أنكر وزير الخارجية الهندي إقدام مودي على خطوة مماثلة.

من المستبعد أن توافق الهند على أي وساطة في هذا الملف، لكن تبدو الصين مخوّلة أكثر من الولايات المتحدة لأداء دور الوسيط عند الحاجة. لكن إذا طلب البلدان المعنيّان من الصين المساهمة في حل المشكلة المستعصية القائمة، فهل ستوافق على أداء هذا الدور؟ إنها مهمة شاقة ولن يقدّر أحد دور من يتدخل فيها إلا إذا حقق النجاح، لكن من المتوقع أن توافق بكين على هذه الخطوة لفرض نفسها كقوة نافذة ومسؤولة في آسيا، فتثبت في الوقت نفسه للعالم نشوء

نسخة مختلفة من الصين خلال هذه الحقبة الجديدة: إنها الصين التي تحظى بثقة الدول المجاورة لها وتبدي استعدادها لتولي مهام صعبة تزامناً مع مراعاة حساسيات الأطراف الأخرى.

* فرانك شينغ

*غلوب أند ميل