من أخطر صور تهديد الأمن حالة الاستقطاب بين مكوناته والشرائح التي يتألف منها، ومن ثم تحول هذا الاستقطاب إلى خطاب تحريضي منظم ومتواصل مثلما نراه اليوم في الكويت تجاه الوافدين بشكل عام، والجالية المصرية على وجه التحديد، وما قد يتسبب فيه ذلك من ردود فعل مقابلة في الجانب الآخر، مع تأثيره على مجمل الحالة السياسية وتصعيدها، ولعل ما يغذي هذا التوجه بعض التصريحات النيابية المصاحبة للعديد من أوجه الاختلال في الخدمات والتزاحم عليها، وما يتعلق بالوضع الاستهلاكي للمواطن، والذي تجلى مؤخراً في الارتفاع الجنوني لأسعار السمك.

ولعل الاستياء الواسع في قضية السمك له ما يبرره، فلا يعقل أن نعيش في بيئة بحرية غنية ونشتري كيلو «الزبيدي» بحوالي 15 ديناراً والهامور بسبعة دنانير، وسلة سمك الميد بثمانين ديناراً، وهو ما يضاعف سعر الخروف المستورد من أستراليا، الذي يستغرق وصوله ستة أسابيع.

Ad

لكن المواطن لا يلام عندما يقفز إلى هذا الاستنتاج الغاضب الذي يعكّر حياته بشكل يومي، بل لا يمكن للمعالجات الترقيعية التي تبشرنا بها الحكومة وآخرها منع غير الكويتيين من المضاربة في حراج السمك، أو الدعوة إلى مقاطعة الشراء أو حتى التسفير، لأنها حلول، وإن نجحت مؤقتاً، يتم الالتفاف عليها سريعاً لسبب بسيط هو الاحتكار والخبرة في مجال الصنعة.

هذه المشاكل في رأيي نتيجة طبيعية لمكامن الخلل الكبيرة في سياسة الدولة، وفي مقدمتها تحوّل الكويتيين إلى أقلية تمثل 30% فقط من السكان في بلدهم، و4% من قوة العمل في القطاع الخاص، ثم يأتي تدهور مستوى الخدمات والازدحام المروري وتفشي الواسطة لتزيد جرعة التذمر والإحباط حتى تنفجر أمام قضايا يفترض أن تكون ثانوية مثل أسعار السمك.

هذه الاختلالات أيضاً من شأنها إلهاء فكر واهتمام المواطن بمسائل الحياة اليومية، وبالتالي تغييبه عن صور الفساد والنهب الذي تتعرض له الدولة في المناقصات الكبرى والهبات المجانية، فليس من المستغرب أن يتزامن انشغال الناس، إما بالشهادات المزورة أو المواعيد المارثونية للأشعة التشخيصية، أو الانتظار سنتين للحصول على فرصة عمل، حيث بلغ إجمالي نسبة الكويتيين في مؤشر البطالة 84% وفق آخر إحصائيات الهيئة العامة للمعلومات المدنية، مع ارتفاع أسعار السمك!

بما أن الفساد يجر بعضه بعضاً، فقد يكون أحد أسباب زيادة أسعار السمك تحديداً هو نظام الكفيل، وهذه دعوة لوزارتَي الشؤون والتجارة للتحقيق في المبالغ التي يتقاضاها كفلاء صيادي السمك وقيمة إيجارات طراريد الصيد حتى نفهم سر ارتفاع الأسعار، أيضاً علينا أن نتساءل: أين تذهب حصيلة الصيد من كبريات الشركات الكويتية بمعداتها الجبارة و»كرافاتها» العملاقة التي تواصل الليل والنهار في بحر الديرة؟! المشكلة منا وفينا، فنحن من نجلب هذه العمالة، ونحن من نتحكم في الأسعار، ثم ندفع الثمن أولاً من جيوبنا، وعلى حساب مستقبل أطفالنا، وثانياً عندما يصورنا الآخرون بالنظرة العنصرية وكره الوافدين، ونحملهم مسؤولية إزعاجنا، وحكومتنا بالتأكيد هي أكبر مستفيد من هذه الفوضى مادمنا لا نتفرغ لمحاسبتها!