ظهر نشيد "بلادي" خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، وحقق شهرة كبيرة لمؤلفه الشاعر والأديب محمد يونس القاضي، وحينئذ كان ينشر قصائده في مجلة "اللطائف المصورة"، وتوطدت صداقته بفنان الشعب سيد درويش، وطلب منه الأخير أن يكتب أغنية تعبر عن عشق الوطن، وتؤثر في وجدان المصريين.

كتب القاضي "بلادي بلادي" بحس وطني مرهف، وتناغمت كلمات النشيد مع خطبة شهيرة للزعيم مصطفى كامل، ألقاها قبل رحيله بشهور قليلة في مسرح زيزينيا بالقاهرة مساء 22 أكتوبر 1907، واحتشد نحو سبعة آلاف شخص لسماع خطبة زعيمهم المدافع عن حق بلده في التحرر من الاستعمار، وقال فيها: "بلادي... بلادي، لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك حبي وحياتي، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك، يا مصر".

Ad

وكان يونس القاضي ضمن الحضور، وتعلق الفتى ذو السبعة عشر عاماً، بكلمات الزعيم، وأثرت وجدانه بالحماسة والوطنية، وبعد نحو 20 عاماً، ظهر النشيد إلى النور، ولحّنه فنان الشعب سيد درويش، بموهبته الموسيقية السابقة لعصرها، وتمرده على القوالب التقليدية للتلحين، وحقق نجاحاً مدوياً -آنذاك- وردده المصريون في التظاهرات المنددة بالاحتلال الإنكليزي.

انطبعت خطبة الزعيم في وجدان الشاعر الشاب، لكنه لم يأخذ منها سوى "بلادي ... بلادي ... لك حبي وفؤادي"، وأبدع في تجسيد معاني الانتماء والوطنية، وقال في نشيده:

بلادي... بلادي

مصر يا ست البلاد

وعلى كل العباد

مصر يا أرض النعيم

مقصدي دفع الغريم

مصر أولادك كرام

سوف تحظي بالمرام

توثيق الأغاني

ساهم نشيد "بلادي" في توثيق الأغاني المصرية في 26 يناير 1923، عندما توجه الشاعر محمد يونس القاضي إلى المحكمة المختلطة بالقاهرة، وقام بتسجيل النشيد و12 طقطوقة وموالين من تأليفه، لتأسيس جمعية المؤلفين والملحنين المصريين، وانضم إليها مؤلفون وملحنون في هذا العصر، ولأول مرة يحصلون على وثائق الملكية، وحق الأداء العلني، ولولا هذا لنسبت أعمالهم إلى آخرين.

ورغم هذا التوثيق، تعرض يونس القاضي لظلم شديد، عندما نسب البعض نشيده إلى الشاعر بديع خيري، لتأليف الأخير معظم أغنيات وأوبريتات سيد درويش، ولكن أبناء المؤلف الأصلي، أثبتوا ملكية أبيهم لنشيد "بلادي بلادي" ومازال ورثته يحصلون على حق الأداء العلني لجميع مؤلفاته من الإذاعة والتلفزيون المصري.

(السلام الوطني)

ظهر نشيد "بلادي... بلادي" لأول مرة بصوت مطربة العشرينيات "الست تودد"، والمطرب محمد بهجت، وسجلت الاسطوانتين شركة ميشيان، وهما من التسجيلات النادرة لتلك الفترة، وظل النشيد يتردد بأصوات المطربين جيلاً بعد آخر، ومنهم المطرب محمد البحر درويش ابن سيد درويش، ووالد المطرب إيمان البحر درويش، وأيضاً المطربة شادية، والمطرب محرم فؤاد، والمطرب سمير الإسكندراني وغيرهم.

وفي عام 1965، قام المطرب إسماعيل شبانة (شقيق العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ) بغناء النشيد ضمن أغنيات مسرحية "سيد درويش" تأليف صلاح طنطاوي وإخراج محمد توفيق، وبطولة محمد نوح، ووداد حمدي، وأحمد أباظة، وفي العام التالي سجل شبانة بصوته "بلادي بلادي" وأغنيات فيلم "سيد درويش" للمخرج أحمد بدرخان، وبطولة كرم مطاوع، وهند رستم، وأمين الهنيدي، ولعب هاني شاكر دور سيد درويش في طفولته.

وفي أواخر السبعينيات، قرر الرئيس الراحل محمد أنور السادات أن يصبح "بلادي... بلادي" النشيد الرسمي للبلاد، وقام بتوزيعه الموسيقار محمد عبدالوهاب، وفي تلك الفترة كان التلفزيون المصري ينهي إرساله كل ليلة بالسلام الوطني. ومازال أيقونة الأناشيد الوطنية راسخاً في وجدان المصريين جيلاً بعد آخر.