فقدت الأوساط الأدبية العالمية الروائية المتوجة بجائزة نوبل، توني موريسون، التي اشتهرت بوصفها أحد أبرز رموز الأدب الأمريكي المعاصر وبدفاعها عن حقوق الأقليات، بعد وفاتها عن عمر 88 عاماً.

وقد عرفت موريسون بروايتها التي تناولت العبودية والتاريخ الاجتماعي للأفارقة الأمريكيين بأسلوب امتاز بلغة أدبية عالية حملت شحنة شجن وكثافة عاطفية مميزة وغنائية تقربه من لغة الشعر.

Ad

وتقدمت موريسون منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي بقوة إلى مقدمة المشهد الأدبي الأمريكي عبر مواهبها المتعددة كروائية وكاتبة مقالات ومسرحيات وأغان.

ركزت كتابات موريسون على تجارب النساء في مجتمعات السود الأمريكيين، وقد تُوجت أعمالها بعدد كبير من الجوائز المرموقة، وفي المقدمة منها جائزة نوبل للآداب، فكانت أول أفريقية أمريكية تنال هذه الجائزة في تاريخها.

وجلبت أعمال كتبتها أمثال «محبوبة» و«العين الأكثر زرقة» و«فردوس» و«حب» لها جوائز مرموقة أخرى، كجائزة بوليتزر وجائزة حلقة نقاد الكتاب الوطني الأمريكية.

وحظيت موريسون بإعجاب ومتابعة الكثيرين في مختلف الأوساط العالمية، ومن أبرز المعجبين بأدبها من مشاهير الشخصيات السياسية والفنية العالمية: هيلاري كلينتون والممثل مارلون براندو وأوبرا وينفري، والروائية مارغريت أتوود والروائية والشاعرة الإنجليزية انتونيا سوزان بيات.

وقالت موريسون متحدثة عن كتاباتها الأدبية واهتماماتها في مقابلة مع صحيفة الأوبزرفر: «عندما بدأت، كان هناك شيئاً واحداً فقط أردت الكتابة عنه: التأثير المدمر للعنصرية على المرأة السوداء والطفل، وهما أكثر وحدات المجتمعات التي لا حول لها ولا قوة وتفتقد للحصانة والحماية».

وعلى الرغم من أن اسم توني موريسون حظي بشهرة كبيرة في مختلف أنحاء العالم، إلا أن اسم موريسون الحقيقي الذي سُميت به عند ولادتها في 18 فبراير 1931 هو كلوي أردَليا وفورد، وكانت الثانية بين أربعة أطفال للعائلة.

وقد استقرت عائلتها في لورين بولاية أوهايو، بعد قرار والديها بمغادرة الجنوب الأمريكي، وكان والدها يعمل لحاماً بالدرجة الأساس لكنه يقوم أيضاً بأعمال أخرى لتعزيز دخل عائلته.

أما والدتها فامتازت باهتماماتها الموسيقية وخيالها الملهم، وكانت دافعاً وراء تعلق ابنتها بالأدب عبر الأغاني والحكايات الفلكلور التي كانت ترويها لها.

وقد حملت موريسون اسمها الثاني، انتونيا، نسبة إلى القديس أنتوني، عندما تحولت إلى المسيحية الكاثوليكية في سن 12 عاماً، وقد اختصر أصدقاؤها في جامعة واشنطن لاحقاً اسمها هذا إلى توني الذي اشتهرت به.

تغيير المسار

بالنظر لاهتمامها المبكر بالقراءة الأدبية وقراءتها لأعمال جين أوستن وتولستوي في عمر مبكر جدا، جاء قرارها بدراسة الأدب الإنجليزي خياراً طبيعياً وضعها على مسار الانطلاق في حياتها الأدبية لاحقاً.

بيد أن تجربتها الجامعية الأولى وضعتها في مواجهة العنصرية والفصل العنصري، على الرغم من أن جامعة هوارد التي درست فيها كانت لعموم السود، إلا أن الطلبة فيها كانوا يُوزعون في مجموعات تبعاً لدرجة سواد بشرتهم.

وفي عام 1953، انتقلت لدراسة الماجستير في جامعة كورنيل، واختارت موضوع الاغتراب، مركزة على موضوعة الرجل المغترب لدى كل من الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف والروائي الأمريكي وليم فولكنر، مركزة على ثيمة الانتحار لديهما.

وبدأت موريسون بعد تخرجها في التدريس في جامعة هوارد، كما تزوجت في عام 1958 من هارولد موريسون المعماري المولود في جامايكا، وأنجبت طفلين.

وكان اضطراب علاقتها الزوجية بعد أعوام قليلة، مدخلاً قادها لاحقاً إلى مستقبل جديد، إذ انضمت إلى إحدى مجموعات الكتابة الأدبية وألفت قصتها الأولى عن شابة سوداء تصلي يومياً من أجل أن يمنحها الرب عينين أكثر زرقة، تعتقد أن عالم القهر الذي تعيشه سيتغير عبرهما، وقد بنتها على تجربة شعورية حقيقية لإحدى صديقاتها.

وقادتها حاجتها لدعم نفسها وطفليها مادياً إلى البحث عن عمل كمحررة في دار نشر راندوم هاوس في نيويورك عام 1963، وهي الدار التي ارتبطت معها لنحو 18 عاماً.

وكان لتجربتها في العمل بتحرير الكتب في دار نشر، أثرها الكبير في تنمية بعض اهتماماتها وقناعاتها اللاحقة، فعملت على نشر أنثولوجيات للكتاب الأفارقة من أمثال وول سوينكا وغينو أتشيبي. كما سعت الى تقديم الكتاب السود إلى سوق الكتاب السائدة.

جائزة نوبل

وفي سنوات عمل موريسون الأولى في راندوم هاوس بدأت حياتها الروائية فعلياً، ففي عام 1970 نشرت روايتها الأولى «العين الأكثر زرقة» وهي تطوير لقصتها الأولى التي تجري أحداثها في مدينة لورين خلال فترة الكساد الاقتصادي.

ونشرت روايتها الثانية «سولا» بعد ثلاثة أعوام، وكانت أحداثها تدور في ولاية أوهايو على مدى 46 عاماً من 1919 إلى 1965.

بيد أن عملها الملحمي «نشيد سليمان» في عام 1977، كان مفتتح سلسلة من الروايات التاريخية عن تجربة الأمريكيين السود، وهو ما لفت الانتباه إلى موهبة موريسون وتوج بجائزة نقاد الكتاب الوطني الأمريكية التي كانت مفتتح الجوائز المرموقة الأخرى التي حصدتها عبر حياتها الأدبية.

وتتابع الرواية حياة ماكون الأفريقي الأمريكي الذي يعيش في ميشيغان من ولادته حتى بلوغه.

وعلى الرغم من غزارة كتب موريسون التي تمتعت بالاحتفاء والشهرة في حياتها الأدبية اللاحقة، إلا أن روايتها «محبوبة» ظلت أكثر رواياتها شهرة، وقد حولت إلى عمل سينمائي من بطولة أوبرا وينفري وداني غلوفر.

واعتمدت الرواية على حكاية حقيقية عن مارغريت غارنر، التي هربت من العبودية وقتلت ابنتها كي لا تراها تُؤسر وتُستعبد من جديد.

ونشرت موريسون روايتها «جاز» في عام 1992 والتي تتناول قصة محملة بالعنف والعاطفة تجري في حي هارلم في مدينة نيويورك في العشرينيات.

وفي عام 1993 توجت موريسون بجائزة نوبل للآداب.

ونوهت لجنة الأكاديمية السويدية في قرار اختيارها موريسون إلى الطريقة «التي تستعمل بها اللغة نفسها، إنها لغة تريد تحريرها من قيود العرق».

وفي مقابلة مع صحيفة الأوبزرفر قالت موريسون عن تكريمها هذا «شعرت أنني مُمَثلة، شعرت أنني أمريكية، شعرت أنني أوهايوية (نسبة إلى أوهايو) شعرت أنني أكثر سواداً من أي وقت مضى، شعرت أنني امرأة أكثر من أي وقت مضى».

حياة أكاديمية وفقدان

واصلت موريسون كتابة روايات أخرى وبضمنها «فردوس» عام 1998 التي تقدم صورة عن مجتمع مثالي «يوتوبي» للسود في أوكلاهوما، وقد توجت هذه الرواية بجائزة بوليتزر.

وفي روايتها «حب» عام 2003، تناولت موريسون وجوه متعددة للحب في إطار قصة عائلية معقدة، وتناولت في روايتها «شفقة» عام 2008 قضية العبودية في أمريكا في القرن السابع عشر، ووثقت في روايتها «وطن» عام 2012 تجربة صادمة لجندي أمريكي في الحرب الكورية يواجه العنصرية بعد عودته إلى بلاده.

وكتبت موريسون أيضاً عدداً من كتب الأطفال بالتعاون مع ابنها الأصغر سليد، وهو رسام وموسيقي، توفي جراء إصابته بسرطان البنكرياس في عام 2010 بعمر 45 عاماً، وكانت حينها تعمل في روايتها «وطن» فتوقفت عن الكتابة فيها إثر وفاته.

لكنها كشفت لاحقاً أن محاولات أصدقائها مواساتها لم تفلح في إخراجها من حزنها وانقطاعها عن الكتابة، وقالت لصحيفة الغارديان «ماذا تقول؟ ليس ثمة كلمات تعبر عن ذلك، حقاً لا توجد كلمات».

وأضافت «حاول البعض أن يقولوا لي نحن آسفون، آسفون جداً، يقول الناس ذلك لي، ليس ثمة لغة مناسبة للتعبير عن ذلك، آسف لا تنفع هنا، أعتقد أنك ينبغي أن تحضن الناس فقط ...».

وأوضحت أنها تمكنت أخيراً من العودة إلى الكتابة وإكمال رواية «وطن» لأن ذلك ما كان يرغب به ابنها الراحل.

في عام 2015، قدمت موريسون روايتها الأخيرة «ليكن الرب في عون هذه الطفلة» التي تحكي قصة شابة جميلة ظلت تعاني عذاباً جراء إساءة معاملة والدتها لها في طفولتها بسبب بشرتها السوداء الداكنة.

وإلى جانب الكتابة الروائية، عُرفت موريسون بأنها كاتبة مقالات مؤثرة، تخصصت في قضايا العرق، فضلاً عن كتابتها للأغاني والمسرحيات أيضاً.

روايات توني موريسون

• العين الأكثر زرقة - 1970

• سولا - 1973

• نشيد سليمان - 1977

• طفل القطران - 1981

• محبوبة - 1987

• جاز - 1992

• فردوس - 1997

• حب - 2003

• شفقة - 2008

• وطن - 2012

• ليكن الرب في عون هذه الطفلة - 2015

وعُرفت موريسون أيضاً بوصفها أستاذة أكاديمية بارزة قدمت محاضراتها بانتظام في عدد من الجامعات الأمريكية ونالت مرتبة الأستاذية من جامعة برنستون.

ومن بين التكريمات الأخرى التي حصلت عليها موريسون في حياتها: وسام جوقة الشرف الفرنسي في عام 2010، كما حصلت بعد عامين من هذا التاريخ على ميدالية الحرية التي تمنحها الرئاسة الأمريكية.

ترجمت معظم روايات موريسون إلى اللغة العربية، من بين اللغات العالمية العديدة التي نقلت كتبها إليها.