صمت ليلي على كورنيش القاهرة تبدد بعد لحظات على صوت انفجار هائل هز قلب العاصمة المصرية، في ساعة متأخرة من مساء أمس الأول، وتغير المشهد تماما مع صعود ألسنة اللهب إلى عنان السماء، وامتزجت أصوات تهشم زجاج واجهة المعهد القومي للأورام بصراخ المواطنين في الشوارع القريبة وداخل المستشفى الحكومي بحي المنيل، بينما ساد الارتباك المشهد مع سقوط ما لا يقل عن 20 قتيلا وعشرات المصابين، في حادث لم يفهم المصريون سببه لساعات.

وبعد ساعات من الإنكار الرسمي، ومحاولة تسويق أن الانفجار نتيجة حادث سير، خرج الرئيس عبدالفتاح السيسي، عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك"، عصر أمس، لينعى شهداء الحادث "الإرهابي الجبان"، وعلى الفور تغيرت الرواية الرسمية، إذ تراجعت وزارة الداخلية جزئيا عن روايتها الخاصة، التي تمسكت بها لأكثر من 14 ساعة.

Ad

نقل المتفجرات

وقالت الداخلية إنه في إطار الفحص المبدئي للحادث تبين أن سيارة مسروقة من محافظة المنوفية منذ عدة أشهر تسببت في الانفجار، بعد اصطدامها بثلاث سيارات أخرى.

وأضافت الوزارة أن السيارة "كانت محملة بكمية من المتفجرات، مما أدى إلى وقوع الانفجار"، حيث كانت تنقلها إلى أحد الأماكن غير المعلومة لاستخدامها في تنفيذ عملية إرهابية، مبينة أن حركة حسم، الذراع المسلحة لجماعة الإخوان، وراء إعداد وتجهيز هذه السيارة.

سيارة مفخخة

وأفاد شهود عيان ومصدر أمني، "الجريدة"، أمس، بأن الحادث نتيجة انفجار سيارة، التي اتضح أنها محملة بالمتفجرات، تسير عكس الاتجاه بعد اصطدامها بعدد من السيارات، مما أدى إلى الانفجار الضخم الذي شعر به معظم قاطني منطقة وسط القاهرة، وبعض أحياء محافظة الجيزة المجاورة، مما أدى إلى موجة ذعر بين أهالي هذه الأحياء، إلا أن الأزمة الأكبر كانت في وقوع الانفجار أمام المعهد القومي للأورام الذي صدر قرار بإخلاء جزئي له.

واجهة المعهد الرئيس في مصر لعلاج الأورام تضررت، إذ أدت موجة الانفجار إلى تحطيم بعض نوافذه، مما أصاب المرضى بموجة فزع، وبدأ الجميع (مرضى وطاقم تمريض) فور وقوع الحادث مغادرة المعهد، الذي يعالج الكثير من الأطفال المصابين بالمرض الخبيث فيه، وأظهرت الصور مشاهد مأساوية للأطفال المرضى وذويهم وهم يهرولون للخروج من المعهد، ثم يفترشون الأرض خارجه، وعلى وجوههم علامات الفزع والإرهاق.

وأظهرت مقاطع الفيديو المتداولة سيارات الإطفاء وهي تحاول السيطرة على الحريق الهائل، الذي خلف عدة سيارات متفحمة، بينما سارع عدد من الشباب المصري لنقل المصابين إلى أقرب مستشفى باستخدام الدراجات النارية، بالتوازي مع سيارات الإسعاف التي هرعت للمكان فور وقوع الحادث، بينما مشطت قوات تابعة لشرطة المسطحات المائية مياه نهر النيل المواجهة لمعهد الأورام بحثا عن أي جثث تكون سقطت في النيل بسبب قوة الانفجار.

ارتباك وغموض

وفور وقوع الحادث الإرهابي سادت حالة من الارتباك بين الوزارات المعنية، إذ تضاربت التصريحات الأولية لوزارتي الداخلية والصحة، إذ قالت الأخيرة إن قتلى الحادث 17 شخصا، بينما قالت "الداخلية"، عبر صفحتها على "فيسبوك"، إنهم 5 فقط، قبل أن تعود وتصحح الرقم.

وساد الاستياء بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي لغياب معلومة موثقة عن سبب الحادث، الأمر الذي دفع البعض إلى ترويج أن الحادث نتيجة عملية إرهابية باستخدام سيارة مفخخة، وهو ما ثبتت صحته فيما بعد، وأصبح هاشتاغ #معهد_الأورام الأكثر تداولا في مصر أمس.

وأعلنت وزارة الداخلية، في بيان، في الساعات الأولى من صباح أمس، انه "أثناء سير إحدى السيارات الملاكي المسرعة عكس الاتجاه بطريق الخطأ بشارع كورنيش النيل أمام معهد الأورام بدائرة قسم شرطة السيدة زينب، اصطدمت بالمواجهة بعدد 3 سيارات، الأمر الذي أدى إلى حدوث انفجار نتيجة الاصطدام".

وأمر النائب العام المستشار نبيل صادق بانتقال فريق من أعضاء نيابة جنوب القاهرة الكلية إلى موقع الحادث، وإجراء المعاينات اللازمة للوقوف على أسباب وكيفية وقوعه، بينما قال المكتب الإعلامي لجامعة القاهرة إن المعلومات المبدئية تؤكد أن الانفجار وقع خارج معهد الأورام التابع للجامعة، ولا صحة إطلاقا لوقوع أي انفجارات داخله.

وزيرة الصحة هالة زايد كانت الأكثر نشاطا لمواكبة الحادث الإرهابي، إذ توجهت إلى معهد ناصر بحي الساحل، شمالي القاهرة، لاستقبال الحالات التي تم نقلها من معهد الأورام بعد قرار إخلائه.

وأعلنت بيانات سريعة عن الوفيات تم تحديثها منذ وقوع الحادث حتى عصر أمس، إذ ارتفع عدد الوفيات إلى 20 حالة، بينهم 4 مجهولين، وكيس أشلاء، وارتفاع عدد المصابين إلى 47، بينهم 3 في حالة خطيرة، مما يعني أن عدد الوفيات مرشح للزيادة.

وزارت وزيرة الصحة، صباح أمس، مصابي الحادث، بينما قال المتحدث باسم "الصحة" خالد مجاهد إن معظم الإصابات تتراوح بين جروح قطعية في أماكن متفرقة وكدمات وكسور وحروق بدرجات مختلفة، والحالة العامة للمصابين مستقرة باستثناء 3 حالات خطيرة بالرعاية المركزة، لافتا إلى نقل 78 مريضا من معهد الأورام إلى مستشفيات معهد ناصر والمنيرة ودار السلام هرمل، بعد تضرر معهد الأورام من الانفجار.

وبينما تلقت مصر التعازي من عدة دول في ضحايا الحادث الإرهابي، تابع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، مع وزيرة الصحة، آخر مستجدات الحادث، مشددا على ضرورة توفير كل الإمكانات وتقديم أقصى الرعاية الممكنة للمصابين، وخلال اتصال هاتفي مع وزير التعليم العالي خالد عبدالغفار، كلف مدبولي أجهزة الدولة بالبدء الفوري في إصلاح مبنى معهد الأورام.

وقال المكتب الإعلامي لمجلس الوزراء، في بيان أمس، إنه تم الاتفاق على أن تتولى شركة المقاولون العرب بدء الإصلاحات فورا، إذ تواصل رئيس الوزراء مع رئيس مجلس إدارة الشركة محسن صلاح، لتأكيد ضرورة الانتهاء من أعمال الإصلاح في المبنى بسرعة وكفاءة عالية، بينما توجه رئيس الوزراء بخالص العزاء لأسر الضحايا.