سيرة جورج البهجوري لا تخص حياته فقط، بل سيرة للوطن، وللفن، ولمفاهيم فنية وثقافية وسياسية، ولرموز أيقونات الفن والأدب، الذين تربت ذائقة أجيال على إبداعاتهم، لذا شعرت طوال وقت القراءة بحميمية السيرة، وانها لا تنفصل عني وعن زمن صباي ومراهقتي وشبابي، كانوا خلالها هم رفقتي وصحبتي، وتعلق مشاعري وانبهاري، وكيف يمكنني ألا أنبهر، ولا أتعلق بهذه الصحبة التي عاش معها وبوسطها وكان فرعا منها، وكل منهم له منهج ومدرسة فنية وأدبية متفردة، وسأذكر بعضا من زملائه وأصدقائه الذين تعلق قلبي بإبداعهم مثل الرسام العبقري حسين بيكار، والنحات جمال السجيني، وصاروخان، ورخا، وصبري راغب، وعبدالعال، ويوسف فرنسيس، وآدم حنين، وعدلي رزق الله، وبهجت، وأحمد حجازي، وحلمي التوني، واللباد، وحاكم، وكامل زهيري، وهبة عنايت، وعبدالسميع، ورجائي ونيس، وإيهاب، ورمسيس، ومن الكتاب نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، لطفي الخولي، كامل الشناوي، صلاح جاهين، أحمد رجب، محمود السعدني، الرائع إدوار الخراط سأكتب عنه بالجزء الثالث من المقال.

حسين بيكار أعجب برسوماته عندما كان يدرسه سنة أولى تصوير وأخذه بالأحضان، وقال له: سأمر عليك غدا لنذهب معاً إلى أخبار اليوم وتبدأ الرسم هناك مع الكلية، لأن زملائي صاروخان ورخا سيرحبان برسومك وسيطلبان نشرها فوراً، وعندما التقى بهم في اليوم التالي اندهش صاروخان من رسوماته، ورأى أنه رسام من نوع جديد لم ير مثله من قبل، وقال: «ده فنان له عينان غريبتان» ، ومن هنا بدأ خط صعود نجمه المختلف والمتفرد.

Ad

حين يكون المدرس بيكار فكيف يكون التلميذ؟

تعاليم بيكار: «درس اليوم هو التكوين، مثل سفر التكوين، في البدء كانت النقطة والدائرة والمربع والمستطيل والمثلث، لذلك حاول أن تتدرب على خلق الجمال بهذه الأنواع الهندسية للشكل العام، أنت وأنا نعيش هذه الأشكال بحياتنا كل يوم لكن لا نتدرب على تذوقها بعيوننا التي تبصر أكثر مما تنظر أو ترى، أمامك اللوحة قماش أو ورقة لها أبعاد تختارها بنفسك، حاول تنسيق هذه المساحة بهذه الأشكال الهندسية، ثم تضيف الأقواس مثلا أو النقاط أو الدوائر كما تشاء، ثم أسألك: هل تستطيع أن تصنع منهم جميعا تحفة جمالية خاصة لو أضفت إليها الألوان؟

هل تعرف الهارموني الشائع بالموسيقى؟، كيف تطبقه بلوحتك التشكيلية فيتحول من المتعة السمعية إلى المتعة البصرية؟.

«لا يمكن أن تكون فنانا سوى أن تتقن اثنان: رسم الحصان ورسم جسد المرأة».

«درس اليوم اسمه طبيعة حية أكررها لكم، لذلك عليك أن تشعرني بأن لوحتك في النهاية هي الحياة كاملة فيما تراه، ثم ترسم بكل حواسك الجديدة حتى لو وصل عطر الزهرة إلى أنفك فلا بأس أن ترسم بأنفك».

أقسم بالله أن معظم ما جاء بهذه السيرة مهم جدا، وعبارة عن خلاصة خبرة حياتية فنية عظيمة، كنت في حيرة ماذا أنقل منها، وماذا أترك، بصراحة كل ما ورد فيها هو نكتار الإبداع المعتق، ولولا ضيق المساحة لنقلت معظمها.

وكان رأيه بأعمال زملائه وأصدقائه من أنبل وأرقى ما قرأت: «صباح الضحكة المقهقهة من «صلاح جاهين»، والسخرية القاتلة من «صلاح الليثي» من هول سخرية «زهدي» عمنا الثائر دائما يدخل أعماق السياسة ليدافع عن المواطن الغلبان، ومن غمازة أبوالبهاجيج أو «بهجت» بهجاتوس، فقد كانت النقطة التي تغرسها ضحكته كأنها تحرضنا على الرسم من جديد، سر الفكاهة، سر القفشة هو يحكيها ويضحكها قبل أن يرسمها، بينما أنا أكتمها حتى أرسمها، «إيهاب» المعلم في أداء النكتة وتوظيفها بتكوين جديد رائع.

صباح رسام الشعب «أحمد حجازي»، الذي تخرج ضحكته من أنين ابن القرية وطنطا ورجل الشارع ببساطته وصمته البليغ ومحبته لهذا الفن وعشقه مثلنا جميعا لمصر، الرسام العملاق بالطول وبالرسم يشهر ريشته معنا فيصبح أهم رسام كتب أطفال مع «حلمي التوني» وينال كلاهما الجوائز العالمية.

ومن المحزن اندثار وانحسار فن الكاريكاتير الجميل.

ويتساءل: «ان كان السبب هو الحظر على مواضيع الرسامين التي يتناولونها كل يوم، أم هو الافتقار إلى النكتة اللاذعة الحراقة التي تضحك الناس، أم هو الاحتراس من إزعاج الحكومة، سقوط الكاريكاتير من الجرائد والمجلات كارثة كبرى للديمقراطية وللمبادئ التي أعطتني درسا وقرأتها مع آلاف القراء في باب «أحمد بهاء الدين» مع بداية العصر الذهبي لصباح الخير».