يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد، بوريس جونسون، وحكومته المؤلفة من أشرس مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يتجهان إلى خوض مواجهة حاسمة مع بروكسل، وأمام هذا الوضع، يزيد احتمال إجراء انتخابات جديدة في بريطانيا خلال الخريف المقبل.

وقد أعاد بوريس جمع الفريق القديم مجدداً، إذ عاد مايكل غوف الذي بدأ مسيرة «بريكست» للخروج من الاتحاد الأوروبي خلال حملة جونسون عام 2016، وبصفته وزيراً للشؤون الخاصة، من واجبه أن يصمّم خطة «بريكست بلا صفقة»، أي سيناريو خروج من دون اتفاق. كذلك، عادت إلى الواجهة بريتي باتل التي تُعتبر من أشرس مؤيدي «بريكست» وطالبت في إحدى المناسبات بإعادة فرض عقوبة الإعدام، فتمّ تعيينها كوزيرة داخلية، وحتى دومينيك كامينغز عاد إلى المكان الذي استمتع به كثيراً في السابق، وسيصبح هذا السياسي الحذق والانفعالي، الذي اخترع يوماً شعار «استعيدوا السيطرة!» لدعم مشروع «بريكست»، مستشاراً لبوريس جونسون في المسائل المرتبطة بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.

Ad

يبرز أيضاً نايجل فاراج، لكنه لم يفز بأي منصب حكومي (ربما أزعج هذا الوضع صديقه المقرّب دونالد ترامب!)، ومع ذلك، يترقب زعيم حزب «بريكست» ما سيحصل ويراقب الأوضاع بكل هدوء للتأكد من وصول العلاقة بين لندن وبروكسل أخيراً إلى نهاية لا رجعة فيها.

يبدو أن بوريس جونسون لا يفكر بالتمسك بكل كلمة تفوه بها حين تكلم عن انتهاء زمن التنازلات للاتحاد الأوروبي، أو هذا ما اتّضح في أول 24 ساعة من توليه منصبه على الأقل، ابتهج المناصرون حتماً حين خاطب رئيس الوزراء البريطاني الجديد شعبه للمرة الأولى يوم الأربعاء، فلم يذكر شيئاً عن وعده بأن يكون رئيساً للشعب كله أو للأقاليم الأربعة في المملكة المتحدة.

تَحَدٍّ مدروس

كان خطابه عبارة عن تحدٍّ مدروس لكل من لا يصدّق أن بريطانيا وحدها ستعود إلى الساحة العالمية بكل ثقلها بعد 31 أكتوبر، بدءاً من «بنك إنكلترا» وصولاً إلى «اتحاد الصناعة البريطانية» وملايين العمّال. طرح الخطاب أيضاً تهديداً لبروكسل، فاستعمل جونسون أسلوباً عدائياً وكأنه يقول للمسؤولين المعنيين: إذا لم تفاوضونا بحسب شروطنا، فستتحملون مسؤولية الاضطرابات المترتبة عن خطة «بريكست بلا صفقة». حتى أنه قد يبطل «قانون الانفصال» الذي اتفقت عليه لندن وبروكسل عام 2017 وبلغت قيمته 39 مليار جنيه استرليني، فقال: «لا تستخفوا بهذا البلد بعد الآن»!

ثم بدأ جونسون ينفذ كلامه عملياً، في واحد من أقسى التعديلات الوزارية في التاريخ البريطاني الحديث، أقدم على طرد جميع الرجال والنساء الذين أهانوه أو شككوا في أجندته الإنقاذية المبسّطة.

أشرس المدافعين عن «بريكست»

تتألف الحكومة الجديدة بشكلٍ شبه حصري من أشرس المدافعين عن «بريكست»، وبالتالي لا يمكن التناقش معهم بأسلوب منطقي عن مخاطر خطة «بريكست بلا صفقة». يظن عدد من الوزراء الجدد أن هذه الخطة ستؤذي الاتحاد الأوروبي كثيراً، من دون أن تسيء إلى بريطانيا. عملياً، لم تعد هذه الحكومة تمثّل البريطانيين الذين صوّتوا لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016 (بلغت نسبتهم 52%)، بل إنها تقتصر على الفئة التي تُشكك بالاتحاد الأوروبي وتبدو مستعدة لدفع أي ثمن مقابل تطبيق خطة «بريكست»، حتى لو عنى ذلك انهيار المملكة المتحدة.

حتى جاكوب ريس موغ، زعيم المتطرفين المناهضين للاتحاد الأوروبي، سيتولى منصباً في الحكومة، وقد سخر هذا الأخير حديثاً من وزير الخزانة حين اعتبر أن بريطانيا تجازف بخسارة 90 مليار جنيه استرليني بسبب «بريكست». لكن ريس موغ تعهد بحصول العكس، فقال إن خطة «بريكست بلا صفقة» ستدعم الاقتصاد بثمانين مليار جنيه استرليني، لكنه المسؤول الوحيد الذي توصّل إلى هذا التقييم.

في مقالة عكست آراء شريحة واسعة من الفرقاء، علّق ماثيو باريس، صحافي في جريدة «تايمز أوف لندن» ونائب سابق عن حزب المحافظين، على أفعال جونسون بأسلوب تشكيكي، فكتب: «أرى أمامي فتى في غرفة مليئة بأقلام التلوين وورقة بيضاء، فيرسم قروناً على الوجوه التي لا تعجبه أو تلك التي أساءت إليه، وابتسامات على وجوه رفاقه».

في الوقت نفسه، ربما ارتبط وصول جونسون إلى السلطة بهذه الطريقة العدائية بحسابات مدروسة، يبدو أنه يحاول استعمال تكتيك التخويف لترهيب قيادة الاتحاد الأوروبي الجديدة في بروكسل لدرجة أن تتزعزع مواقفها وتعيد التفاوض على جزء من المسائل التي اعتبرتها سابقاً غير قابلة للتفاوض، منها خطة الطوارئ لفتح الحدود بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية، أي «وثيقة التأمين» التي اعتبرها جونسون «باطلة». إنه تكتيك مبني على مبدأ «كل شيء أو لا شيء»، ويدرك جونسون أنه قد يفشل في مساعيه بما أن البرلمان البريطاني تعهد باستعمال جميع الوسائل المتاحة لمنع خطة «بريكست بلا صفقة».

انتخابات مبكرة

أمام هذا الوضع، قد يضطر جونسون، رغم إنكاره المتكرر، لإجراء انتخابات مبكرة في الخريف المقبل، إذ أثبتت الانتخابات الأوروبية الأخيرة أن أي اقتراع مماثل سيكون كارثياً للمحافظين. في ذلك الاستطلاع، حصد حزب «بريكست»، بقيادة فاراج، أصواتاً أكثر من المحافظين. لكن إذا نجح جونسون في إقناع الشعب البريطاني بأن عناد بروكسل هو الذي أجبره على الدعوة إلى انتخابات مبكرة، يمكن أن تصبّ الأصوات لصالح حزبه بدل حزب فاراج نتيجة الاستياء الشعبي، وبما أن حكومة جونسون مُصمِّمة بكل وضوح على التعامل بعدائية مع الاتحاد الأوروبي، فمن المتوقع أن يبقى المشككون في أداء المحافظين على الهامش وأن يصل المحافظون مجدداً إلى السلطة.

تكثر المعطيات التي تشير إلى استعداد جونسون لخوض مواجهة حاسمة مع بروكسل، بعد الانتهاء من معركته المحلية، حتى لو جازف حينها بتوسيع الانقسام في بلده المضطرب أصلاً.

من الواضح أن السياسة عبارة عن لعبة بنظر جونسون، وهو معتاد على الفوز دوماً، وفي هذه اللعبة، لا أحد يستطيع ادعاء أنه يجهل العواقب المرتقبة.