هل أصبحت الولايات المتحدة أو إيران من الدول التي تملك مصادر طاقة مستقلة فعلاً، في وقت يتجه فيه البلدان نحو المواجهة؟ هذا السؤال المعقد يستحق التحليل.

على غرار عدد كبير من القوى النفطية، لطالما تمسكت إيران باقتصاد مبني على استخراج النفط، وبالتالي، تشكّل المنتجات النفطية معظم صادراتها، وإذا ما تجرّدت منها، فلن يبقى لها إلا صادرات الفاكهة والمكسرات!

Ad

تملك إيران ثروة نفطية هائلة، لكنها لم تبذل على مر السنين الأخيرة أي جهد فعلي لتطوير سعة التكرير، علماً أن النفط الخام يفقد قيمته بدونها، ولعل سبب ذلك يتعلق بالحكم الفاشل والفاسد في إيران من جهة، وبالعقوبات التي صعّبت بناء محطات تكرير جديدة من جهة أخرى. حين بدأ العمل على توسيع مصفاة «نجم الخليج الفارسي» في بندر عباس، عام 2018، تضاعفت سعة التكرير الإيرانية المحلية وتراجعت في المقابل واردات البنزين بدرجة كبيرة، فأعلن النظام الإيراني أن البلد تحرر من حاجته إلى استيراد البنزين، لكنه يمنع معظم الصادرات راهناً. هذا ما دفع المدير التنفيذي لشركة التكرير الحكومية منذ أسبوع إلى شجب «الاستهلاك الباهظ» للبنزين، مما يثبت أن الإمدادات المحلية ليست وافرة بقدر ما يرغب النظام.

بدأت إيران تطبّق سياسة تقنين البنزين منذ عام 2007، وكان قانون العقوبات الإيراني عام 2010 كفيلاً بضرب وترها الحساس المرتبط بواردات البنزين، علماً أن الإمدادات المتاحة تكبح معظم مبيعات البنزين ووقود المركبات الأخرى (مثل غاز الطائرات) وتفوق قيمتها الخمسة ملايين دولار سنوياً، ولا ننسى المعدات أو الخدمات التي تُسهّل الإنتاج المحلي أو استيراد البنزين. وقد تعلّق أحد الانتقادات المُوجّهة للرئيس أوباما، حين قرر رفع العقوبات عن إيران عام 2016، باحتمال أن تمنح هذه الخطوة إيران فرصة تطوير سعة تكرير النفط، مما يحرم خصومها من نقطة ضعف أساسية.

وفي حين راحت إيران تُوسّع سعة التكرير محلياً، لم يتبع قطاع النفط الأميركي المسار نفسه، حيث زادت سعة التكرير الأميركي بحوالي مليون برميل يومياً، مقارنةً بما كانت عليه منذ عشر سنوات، وهو تقدّم ملحوظ، لكنه ليس جذرياً! لذا يمكن أن يعتبر البعض هذا الوضع نقطة ضعف أميركية.

يحب ترامب بطبيعته قطاع النفط، لكن رغم الادعاءات المتغطرسة التي يطلقها بعض السياسيين للتباهي بتحوّل الولايات المتحدة إلى بلد «ذات مصادر طاقة مستقلة»، يبدو الواقع مختلفاً، إذ تستورد الولايات المتحدة مليارات براميل النفط الخام سنوياً، ويشتق ثلث الكمية من منظمة الدول المصدّرة للبترول (أوبك). في الوقت نفسه، تُصَدّر الولايات المتحدة كمية كبيرة من النفط لأن محطات التكرير الأميركية بُنِيت حين كان البلد مضطراً للاتكال على النفط المستورد بشكلٍ أساسي، وبالتالي كان معظمها مُصمَّماً للتعامل مع المواد «الثقيلة» من الخارج بدل المواد «الخفيفة» من تكساس. لا يكون برميل النفط منتجاً واحداً وبسيطاً! فقد صرّحت سينثيا واكر من مؤسسة «أوكسيدنتال بتروليوم» لصحيفة «تكساس تريبون» بأن هناك «حاجة إلى تصدير كل جزيئة فردية من النفط»!

إذا توقفت تجارة النفط والمنتجات البترولية العابرة للحدود كلها غداً، فستواجه إيران مشاكل كبرى حتماً، لكنّ الولايات المتحدة ستضطرب أيضاً، لأنها ستجد نفسها على الأرجح مع فائض نفطي مقابل نقص في البنزين وأنواع أخرى من الوقود. لا بد من الإشادة بإدارة ترامب لأنها شجّعت إنتاج النفط المحلي وأطلقت إصلاحات تنظيمية لحصر تدخل الحكومة في هذا القطاع. لكن الرئيس الذي يفكّر راهناً في إعادة انتخابه يبدو مستعداً لفعل كل ما يلزم لاستمالة مزارعي الذرة ومصنّعي الإيثانول النافذين سياسياً، لأنهم يشكّلون معقل الحزب الجمهوري. اليوم، تقاضي جمعية «شركات تصنيع الوقود والبتروكيماويات الأميركية» الإدارة الراهنة على خلفية توسّع استعمال الإيثانول بدرجة تتجاوز صلاحية الرئيس من وجهة نظر منتجي النفط.

حين اجتاح إعصار «هارفي» هيوستن في 2017، كانت مضخات البنزين جافة في دالاس ومناطقها الشمالية، على بُعد مئات الأميال، وأُغلِق خط أنابيب «كولونيال» الذي ينقل البنزين ووقود الطيران من هيوستن إلى نيويورك، كما أُقفِلت محطات تكرير عدة كانت تؤمّن له الإمدادات.

لن يكون وجود النفط في الأرض كافياً إذن، ولا حفر الثقوب كافيا! بل إنّ تحويل النفط الخام إلى منتجات مفيدة وإيصال تلك المنتجات إلى من يحتاجون إليها مسار معقد... والمسؤولون في طهران وهيوستن يدركون هذه الحقيقة... على أمل أن يفهمها المعنيون في واشنطن أيضاً!

* كيفن ويليامسون

* «ناشونال ريفيو»