الأسطورة هي مجال يتقاطع فيه الأدب والفلسفة وما يجمع بين المفاهيم الثلاثة هو السؤال "ماذا لو؟" كما أن الوظيفة التي حددتها كارين أرمسترونغ للأسطورة بوصفها رغبةً للتعالي على المتشظي والمأساوي تضاهي لما يتطلع إليه الإنسان من التأمل للإمكانيات الوجودية القائمة عبر صيغة الأدب أمر قد تتمثل الرواية لمتطلباته أكثر من أي فن آخر.

فمن المعروف أن الشخصيات الواقعية أو التاريخية حالما تنتقل إلى حلبة السرد الروائي تصبح مشحونةً بصفات أسطورية، وإذا غاب هذا العنصر في تركيبتها الجديدة تفقد مبررات متابعتها في السياق السردي، عليه فإن المراد بالأسطورية هنا ليس وجود قدرات خارقة بل ما تكتنزه الشخصية من الإيحاءات المضمرة والصريحة المرتبطة بحيثيات السرد.

Ad

أرادت الكاتبة السورية مها حسن في روايتها الموسومة بـ "اللامتناهي سيرة الآخر" الصادرة بطبعة جديدة من دار "سرد" نحت شخصية بمواصفات أسطورية بناءً على برنامج سردي متكئ على ثلاثة مصادر، ذكريات أدهم بن ورقة الشفوية، وكتابات أدهم التحريرية التي دونها في دفتر بعناوين متعددة، والمعلومات المنقولة من نسائه، وبهذه اللعبة الميتاسردية تمكنت صاحبة دهشة من شد المتلقي إلى مسالك سيرة شخصيتها الإشكالية.

أكثر من حياة

تعتمد رواية "اللامتناهي سيرة الآخر" على مكون الشخصية مع تحديد التواريخ التي تولدت فيها، ويستدعي هذا الأسلوب إلى الذهن رواية "ميتتان لرجل واحد" لجورج آمادو وذلك لأن الشخصية الأساسية هي قوام المنظومة السردية أيضاً، كما أن التحولات التي تمر بها شخصية جواكيم سواريس داكونيا، الذي يعرف

بـ "كينكاس هدير الماء" في المرحلة اللاحقة هي الحلقة الأهم في بناء الرواية.

مثلما أن ما تدور عليه رواية "اللامتناهي" هو رصد الحيوات التي تختبرها شخصية أدهم مع وجود فارق أن شخصية الموظف المستقيم في رواية آمادو عندما يصبح سكيراً ونديماً للصوص يسقط عنه اسمه السابق ويظهر باسم جديد بينما لا يتبدل في بطل "اللامتناهي" غير تاريخ الميلاد والبيئة الأسرية التي تتكفل برعايته عدا ذلك فإن موت كينكاس يعكس الجانب العجائبي المحمل بحسية ساخرة في شخصيته.

بالمقابل، ما يلفت في شخصية أدهم بن ورقة هو غياب الإشارة إلى لحظة وفاته وهذا ما يزيد من غموضه وطابعه الفنتازي إذ تتناسخ روحه ليس في أشكال وأسماء جديدة مثل شخصيات فرناندو بيسوا إنما في أزمنة مختلفة طبعاً أن السؤال الذي تضمره التواريخ المختلفة يضيف بعداً أسطورياً للشخصية وكلما يصل السرد إلى لحظة ميلاد جديد لأدهم يستشف المتلقي ظِل كلمة محذوفة وهي ماذا لو ولد بهذا التاريخ وهنا يتحمل الراوي بصياغة حياةٍ مفترضة إذن تتسلسل نسخ هذه الحيوات بالشكل الذي يتخيلها منْ يقوم بتنظيم حركة السرد.

ومايقوله ميلان كونديرا عن منهج كارلوس فونيتس بأنه يقنعك بضرورة وجود حيوات متعددة لخلق كائن بشري واحد ينطبق على أسلوب مها حسن وتدوين ولادة شخصية أدهم بن ورقة والإبانة عن صفاتها وسلوكياتها مع إيراد تفسيرات مختلفة لعبارة أو كنية ابن ورقة.

يشار إلى أن الأسماء الواردة في هذا النص تحيل إلى شخصيات تاريخية أو رمزية فـ"سلمى" مثلاً تذكرك بمحبوبة الحلاج.

الموت المقهور

إذا كان الموت يقهر الشخصيات الأسطورية التي تفشل في تحقيق حلم الخلود فإن أدهم بن ورقة يفوق على هؤلاء بتوالده المستمر ولا متناهية سيرته والاحتمالات التي يفترضها لشخصيته في أشكال وبيئات متباينة وهذا ما يحيلك إلى شخصية أماديو إيناسيو دي ألماد في رواية قطار الليل إلى لشبونة.

يقول أدهم "ولو أني ملكت القدرة على اختيار أمي، فلن أختار أمي أما لي، بل سأختار أماً بمواصفات مغايرة" تعبر هذه الكلمات عن رغبة لتجريب شكل آخر من الحياة لا تتقيد فيها المشاعر بشروط سابقة.

أكثر من ذلك، فإن أدهم يعلن تمرده على سلطة الأسرة قائلاً أن نجاحك المستقبلي يكمن في مخالفة والديك.

كما أن كراهيته تطال القوانين التي تحرم المتعة وأن مايحكم العلاقات البشرية حسب رأيه هو قانون السيد والعبد وما على المرء إلا الاختيار بين الاثنين.

لايصعب على القارئ إدراك النزعة النيتشوية الدفينة في هذا الملفوظ، حتى قبل أن يصرح أدهم بإعجابه الشديد بفيلسوف المطرقة إلى حد التماهي إذ فضل العزلة مثل نيتشه مدوناً عبارة الأخير على باب غرفته "الرجل القوي رجل وحيد" لكن أدهم لا تخذله المرأة.

بخلاف المرارات التي ذاقها الفيلسوف الألماني على الصعيد العاطفي، فإن بن ورقة يجد عزاءه في سلمى فهي الاستثناء من بين الآخرين الذين يعتبرهم رياحاً مسمومة تقوض عزلته.

إضافة إلى فلسفة نيتشه فإن ظلال الفلسفة الوجودية والنظرة الكافكاوية والرؤية السقراطية للموت تمتد في جسد النص ترى في مشكلة أدهم مع يديه وغيرة إحداهما من الأخرى وامتعاضه من حيادية المقابل والنفور من الأب ملمحاً كافكاوياً ناهيك عن الرغبة التي تراوده في أحد أطواره لإلغاء الماضي وتحرير البشر من هذا الكيس المثقل على الرأس.

ما يعود بك إلى زوربا الذي طلب من شخصية الأستاذ مسح كل ماتراكم في جوف رأسه، ومما يضاعف من غرائبية أدهم الذي يتحول إلى بؤرة العمل منذ لحظة انطلاقة السرد إضافة إلى ميلاده في عدة أزمان حيث تختلف سلوكياته وانطباعاته جراء صروف الدهر هو المرويات التي تتمفصل في بناء النص حول أصول ابن ورقة أو يرقة وذيوع صيته بهذه الكنية، تارة يكون التفسير هو أن أمه تربي الحشرات واليرقات، وتارة أخرى تنسب تسميته المركبة إلى إسم أمه حرقة مع التحوير في أحد الأحرف كما يفيد رأي آخر بأن أدهم ولد مجهول الأبوين وكانت بيده ورقة لذلك سمي بأدهم بن ورقة.

والأهم في هذا المنجز الروائي هو تواصله مع نصوص أخرى سواء كان فلسفياً أو أدبياً، عندما يتحدث أدهم عن الغيرة يتراءى للمتلقي أنسي الحاج، وحين يقدم رأيه عن الحب تشعر بنفحات صوفية هكذا هو اسم واحد بأفكار وأبعاد لامتناهية.

مايجدر بالذكر أن القارئ لا يتقيد بموقع الراوي لمتابعة سيرة أدهم إنما تفتح شهادات متضاربة حول أدهم الذي يتورط في قتل صاحبة المنزل التي أرادت مسخ شخصيته الجديدة مستويات متعددة للمنظور، وهذا يعني أن تيار السرد لن يقع في مطب أحادية الرؤية حتى لو انفردت الكاتبة بالحديث عن شخصية أدهم في الصفحات الأخيرة.