كثرت الآراء والتحليلات عن الترتيبات التي تتم لإتمام ما يسمى "صفقة القرن"، والمتضمنة كيفية تحقيق الهيمنة الكاملة على دولنا، من خلال ترتيب منطقتنا تحقيقاً لثلاثة أهداف رئيسية هي: تمكين الكيان الصهيوني من بسط نفوذه على الدول العربية بضمان تفوقه العسكري، وتكريس ضماناته المادية الدولية برعاية أميركية أوروبية، وتسيير شؤون دولنا بإرادة أميركية مباشرة ومشاركة دولية مرسومة، واقتسام النفوذ وضمان الهيمنة على مقدرات دولنا لمصلحتهم، إنهاء وجود كل ما يتعلق بالوجود الفلسطيني بشكل نهائي، وإعادة توزيع تبعية الفلسطينيين بين أربع دول هي الأردن ومصر وسورية ولبنان، مع اقتسام فتات المتبقي من أراضيها على هذه الدول، ولذلك فنحن أمام حقيقة مرة وهي "صفعة القرن".

وقد زارني الأسبوع الماضي أحد الأصدقاء ممن درسوا بالولايات المتحدة في بداية السبعينيات، وقد ذكرني بمجريات تمت آنذاك من قبل الأميركان ومهندس سياستها الصهيونية في المنطقة هنري كسينجر، في أعقاب إدراك الأميركيين فاعلية وخطورة القرار العربي الذاتي المستقل، إثر قيادة الملك فيصل، رحمه الله، مسار القرار العربي عبر فرض "حظر النفط عن الغرب" باعتباره سلاحاً فعالاً في دعم قوتنا الذاتية، مما دفع الأميركيين لتبني سياسة جديدة في الهيمنة على المنطقة بمنطلقات تأمين منابع النفط، وتعزيز تمكين الكيان الصهيوني من التفوق العسكري والسياسي والاقتصادي والمالي، وتبني سياسة الانتشار والتواجد والتدخل العسكري السريع بالمنطقة military deployments.

Ad

وما كان مرسوماً له حسبما رآه صديقي المخضرم منذ عام ١٩٧٣-١٩٧٥ هو ما يستكمل تنفيذه اليوم فيما يطلق عليه "صفعة القرن"، وهو سياسة كانت تدار بمسار مرسوم ومدروس بدأه نيكسون/ فورد بهندسة كيسنجر، وكان كل رئيس أميركي منذ ذلك الحين يستكمل حلقاته المتكاملة وصولاً للدور والمرحلة النهائية التي يتولاها اليوم ترامب، الذي بدأ يكشف عن حقيقة الوجه الأميركي القبيح، ويكشر عن أنيابه الفتاكة التي كانت تنهش فينا على مدى قرن من الزمان ١٩١٧-٢٠١٩، لتكون نهاية فصولها في "صفعة القرن القاضية" التي بدأت لكماتها النهائية تهشم وجودنا بالكامل.

وهنا نقف أمام إيماننا المطلق بأن التغيير هو سنة الله في خلقه، وبما ورد في الحديث الشريف الشهير "يبعث الله على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها"، إذ بدأت تتوافر إرهاصات تحققها، وهو ظهور مجدد لآمال الأمة، ويكرس أن انتفاضة الوعي واستعادة القدرة الذاتية للأمة العربية والإسلامية آتية لا محالة في وقت وشيك.

وقد وجدت في تحليلات ومعلومات صديقي المخضرم، وربطه للأحداث بمنطق ما يلامس الواقع وحقائقه، فرأيت نقله لمن يرغب أن يدرك حقائق التاريخ والأحداث التي نتجرع اليوم "صفعة قرنها المذلة".