بين فترة وأخرى يخرج علينا أكاديمي أو تنشر دراسة بحثية لتقول لنا إن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت الدنيا وأصبحت تصنع الرأي العام، وأنا أرى أنها كذبة كبيرة فوسائل التواصل الاجتماعي أضحت وسائط للتشويش وبلبلة الرأي العام، وللتنفيس للغاضبين من أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا غير، بل هي في الواقع سهلت لأجهزة القمع الاستخباراتية مهامها في تتبع الناشطين السياسيين والمصلحين والقبض عليهم وتغييبهم في غياهب السجون والمعتقلات، وتبديد أي رأي عام موحد يهدف إلى الإصلاح ومواجهة الاستبداد.

جميع ثورات الربيع العربي، في ظل "فيسبوك" والإنترنت و"تويتر" و"انستغرام"... إلخ، فشلت وعاد الحرس القديم والعسكر والقوى الدكتاتورية لحكم الدول العربية، بعكس ما حدث في ثورات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بغض النظر عن تقييمنا لها، كما أن أكثر من مليار صيني في أيديهم أجهزة اتصال ذكية يعيشون في ظل نظام شمولي بشكل أكثر انصياعاً لأحكامه الاستبدادية، ولم تتكرر في ظل ثورة المعلومات حركة مشابهة لأحداث ساحة تيانانمين 1989، وأيضاً ورغم احتكار القوى الديمقراطية الموالية للمرشحة هيلاري كلينتون لوسائل التواصل الاجتماعي في كاليفورنيا فقد فاز رئيس انعزالي وعنصري، وهو دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية عام 2016.

Ad

عندما كان عبدالحليم قنديل وإبراهيم عيسى ومجدي حسين والإبراشي يكتبون افتتاحية في صحيفة معارضة كان حرم جامعة القاهرة والشارع المصري يهتزان، وكذلك أحمد النفيسي في جريدة الطليعة كان يشغل أحاديث الدواوين المؤثرة في الكويت، ونفس النهج في بقية الدول العربية، ولكن مع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الأمر عبارة عن "هاشتاغ" للتنفيس وترند للمتابعة، لا غير، لا يصنع رأياً عاماً ولا خلافه، والدليل نواب مجلس الأمة الكويتي الذين يفعلون عكس آلاف التعليقات التي تنشر في "تويتر"، بينما في السابق كان "مانشيت" صحيفة يقلب الموازين في المجلس.

وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت نعمة للأجهزة الاستخباراتية، وبصفة خاصة العربية منها، عبر "الذباب الإلكتروني" والعملاء السيبرانيين لتشتيت الساحات والبلبلة لإخماد أي تحرك إصلاحي أو توحيد للرأي العام بخلاف ما يشاع، فقد كانت الكلمة المقروءة في الصحافة مؤثرة وصعباً نقضها والتشويش عليها، بعكس وسائل التواصل الاجتماعي التي أنهت هذه الحالة، وأصبح خلق رأي عام موحد ومؤثر حالة قديمة ومن الماضي.