امتلاك الكويتيين للأراضي الزراعية في البصرة والفاو، في بداية القرن العشرين وما قبل ذلك، كان أمراً لافتاً للنظر من عدة نواح، ألخصها في التالي:

* أولا: أهالي الكويت في حقبة ما قبل النفط كان أكثرهم فقراء يعيشون على نشاطات معروفة كالغوص أو السفر التجاري، أو على مهن مهمة كصناعة السفن، وبناء المنازل والمباني، وغيرها الكثير، فكيف استطاعوا أن يوفروا الأموال اللازمة لشراء المزارع في البصرة وما حولها؟

Ad

* ثانيا: هل نظرة الكويتيين إلى التملك في البصرة كان يدفعها تخطيط استراتيجي واضح، أم كان عشوائياً وليس وراءه سوى الرغبة في التجارة أو في الحصول على ملاذ من حر الكويت الشديد وجفاف أراضيها؟

* ثالثا: كيف استطاع الكويتيون المحافظة على أملاكهم في البصرة ومضافاتها، والتصرف بها في تلك الفترة، رغم صعوبة ذلك، والمخاطرة في استغلالها؟

ويبدو لي من خلال مراجعة المئات من الوثائق التي تؤكد ملكيات الكويتيين في البصرة أنهم عانوا الكثير من الصعوبات، واختبروا الكثير من المعاناة للمحافظة على أملاكهم هناك، ولكن معظمهم استطاع في النهاية أن يحافظ على أملاكه، وأن يستغلها الاستغلال الأمثل.

وربما تكون أملاك الشيخ مبارك الصباح، وأملاك التاجر الكبير حمد الصقر (ملك التمور)، مثالين واضحين على حجم الأملاك الكويتية في جنوب العراق، ونجاح إدارتها، واستغلالها تجارياً.

بعد هذا التعليق القصير حول ملكيات الكويتيين في البصرة، نورد لكم اليوم وثيقة تدلل على ذلك، وهي وثيقة كتبت في عام 1930م تؤكد تملك أحد أبناء الكويت، وهو عبدالله بن ناصر الشرهان لأملاك في قرية تابعة للبصرة. وقد اضطر الشرهان لأن يوكل أحد الموثوقين لديه ليقوم بمتابعة أملاكه في البصرة، فوقع الوثيقة التي نصها كما يلي:

"وجه تحرير هذه الأحرف الشرعية هو أنه قد حظر (حضر) في المحكمة الشرعية المنعقدة بمدينة الكويت الرجل الجائز التصرف الحاج عبدالله بن ناصر ابن شرهان وحظر (حضر) لحضوره الرجلان المقبولة شهادتهما شرعاً وهما عبدالوهاب ابن عبدالله الفارس وكاتب هذه الأحرف عبدالله بن عبداللطيف، فاعترف الحاج عبدالله المذكور وأقر واعترف قائلاً، إني قد وكلت من قبلي وأنبت منابي الرجل علي بن نصار الذيب، الساكن بالزبير، والملاك بقرية اليهودي من مضافات البصرة التابعة لقضاء أبي الخصيب، لمنوبتي في جميع المحاكم التضامنية والشرعية والدوائر الرسمية بكل الدعاوى التي ستقام مني وعلي بالادعاء وبالمدافعة والمرافعة والمخاصمة وتنظيم كافة المستدعيات واللوائح الرسمية وتقديمها ومباشرتها وإمضائها بإمضائه وكالة عني، وبالتبليغ والتبلغ والإخطار والإحضار وإقامة البينة وسماعها والطعن بها وانتخاب أهل الخبرة والمميزين وعزلهم وبالتحليف والتحالف ووضع الحجز احتياطيا وإجراءه وفكه وبالقسمة والإفراز وبالأخذ والقبض والبيع وبالتقرير عني بدائرة طابو البصرة وبالصلح والإبراء والإسقاط واستحصال الإعلامات وتنفيذ أحكامها وتسجيل أملاكي بدائرة الطابو وأخذ سندات خاقانية بها واستحصال واردات أملاكي وصرف ما يستحق لصرفه بشأن تحصيل حقوقي التي بذمة الناس ونصب الفلح وعزلهم وتضمين حاصلات أملاكي وتأدية ضرائبها ...".

ووقع على هذه الوثيقة القاضي الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان- رحمه الله تعالى- بتاريخ 20 شوال 1348هـ، وصادق عليها المعتمد البريطاني في الكويت، وأمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح رحمه الله تعالى.